الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد،
ألمح الينا أحد الإخوة أن هناك ردّ من أحد الإخوة المنتمين إلى مركز إسلاميّ، وهو الشيخ حسان بن حسين، فكّ الله أسره وأنجاه وأهله، على موقع المقريزي، على ما كتبنا في شأن موضوع تكفير العاذر وغيره مما خرج به الشيخ الحازميّ في بعض حديثه. وقد اطلعت على الردّ اليوم، فوجدت فيه نفسًا أصوليًا جيدًا، وإن خلا من التمحيص و التبصّر الذي يأتي من ممارسة العلم ردحا من الزمن، مما أدى إلى ما جاء فيه من الخطأ المنهجي والشرعيّ الذي يمكن أن يقع فيه باحث، على ما سنبين.
وما شجعني على كتابة هذا التعليق، على كراهتي للتعليق على التعليقات، إلا أن يتخذه طلبة العلم دُرْبة على طرق الاستدلال والنظر في النصوص والنقولات.
وأود أن أذكر هنا فائدة وتحذيرًا لطلاب العلم والباحثين الجدد والقارئ العادي على السواء، وهو أنّ القارئ قد يرى في مثل ذلك الحشد من التعليقات التي أوردها الأخ الكريم حسان بن حسين، دلالة قوة ومصدر ثقة على ما في التعليقات من صحة وصواب. وأقول، لا، هذا باطل من القول وغرر في الفهم. إذ النقولات تخضع عادة لاختيار الناقل، ثم لتحليله وفهمه لما فيها، كما سنرى، ومن ثم فإن حشدها دليل ضعف لديّ لا دليل قوة، وإن كانت تروّج للسلعة المكتوبة لدى العوام والمبتدئين. فلا يغترنّ أحد بهذا، وليعلم طلاب العلم والباحثين الجدد والقارئ العادي أنّ الثقة في المعنى واستيعاب العلم يغنى عن كثرة النقولات، إلا ما لزم منها، إذ ترداد النظر في العلم وكتبه، يجعل منهاج النظر فطرة مطبوعة في النفس وطبيعة مغروزة في العقل، ويصبح النقل استشهادًا لا احتشادا.
أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورمُ
ثم إلى موضوعنا والله المستعان.
أما التعليقة الأولى فلا غرض لي في التعليق عليها!
التعليقة الثانية: قال"فهمت مما قرأت للدكتور: أن النزاع بينه وبين الحازمي ليس في مأخذ التكفير في الجملة، ولا في مناطه، وليس أيضا في مفهوم الكفر وحقيقته، ولا في أسبابه، وإنما النزاع في ضوابط التكفير"
قلنا: وهذا خطأ فالنزاع واقعٌ في أحد مآخذ التكفير، ليس في مناطه، وهو تكفير من عذر الكافر، وليس هذا ضابط من ضوابط التكفير، وهو واضح، ولا داعي للإستطراد فيه.
التعليقة الثالثة:"والصواب الذي تقوم عليه الأدلة: أن التكفير حكم شرعي يؤخذ من حيث تؤخذ الأحكام الشرعية، ويجري فيه القطع والظن في دليله، كما يجري في دلالة الأقوال والأفعال على المعاني الكفرية، واشتراط القطع داخل في مذاهب أهل الأهواء والبدع"
قلنا: وهنا عين ما قصدنا من قولنا أنّ التبصر في تقرير المسائل لا يزال مفتقد في هذه التعليقات. فنقول في مسألة قيام الأحكام على الظن: الظّن المقصود نوعان، نوع يقع في الدليل، ونوع يقع في نفس المجتهد. فالدليل منه قطعي ومنه ظنيّ. ولا يقال أنّ