فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 721

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد

انحرفت عن مقصدي في نشر الجزء الثالث من مسلسل"أصل البلاء عند أهل الأهواء - في الفكر الحروريّ - 3"بسبب ذلك الحدث الذي أطل برأسه من بيعة مجموعة من المقاتلين في سيناء، لا نظنهم يزيدون عن الثلاثين فردًا، يسمون أنفسهم"جماعة بيت المقدس". والحق، إنه أمرٌ يتجاوز أثر الإعلام المصاحب له أثره الحقيقي على الأرض بكثير، لصغر حجم هذه المجموعة أولًا، ولأسباب أخرى نبيّنها بعد إن شاء الله. إلا إن البيان هنا يُقصد به وضع الأمور في حجمها، من حيث أنّ الشهور الماضية قد صاحبتنا ظاهرة التضخيم الإعلاميّ لظواهر داعشية، على غرار ما يحدث في الإعلام العلمانيّ سواء بسواس.

والشخصية الداعشية الحرورية الحاضرة، تقوم على التضخيم أساسًا، غذ هي، أولًا وأخيرًا، وليدة إعلام علماني اشتغل عليها طوال عمر شبابها، بل وآبائهم. فهي دولة، وخلافة، وجيوش جرارة، ومدن تفتح، وعروش تسقط، وطواغيت ترتعش قلوبهم من ذكر القرشي الحسيني ... الى آخر تلك المزاعم، التي تدل على صغر عقول مدعيها من ناحية، وإساءة تقدير الواقع المحيط بهم من ناحية، ونفسية لا تتعرف على الحق والحقيقة إلا من خلال تصوراتها من ناحية ثالثة.

وقبل أن نبدأ في حديثنا، نود الإشارة إلى هذا الإعلان عن بيعة حفنة سيناء، جاء بعد الضربة القاتلة التي أصابت داعش بمقتل عدد من قياداتها في الأنبار، وأخبار جرح رأسها السامرائي. وهي تطورات تلقى بظلال ثقيلة على مستقبل هذا التنظيم. فإن القصف الصهيو-صليبي قد بدأ من أسابيع قلية، ولم يأخذ عنفوانه بعد. بل هو في طور الإعداد والتجهيز، بل وإنزال جنود على الأرض بالفعل، أضلهم الله وأعماهم عن المجاهدين الصادقين والمدنيين الأبرياء.

وأمر هذه البيعات، هو في نوعيتها، وشرعيتها وأثرها.

ومما يجدر ذكره هنا أن البيعة أصلًا هي من أمور العاديات لا العبادات. ومعنى ذلك أنها تتعلق باستصلاح حال العباد في الدنيا لا الآخرة، وهي تتعلق من ثم بالعلاقة بين الناس بعضهم ببعض، لا بين المسلم وربه. وما فيها من عبادة هو كما في كلّ أمر شرعي عاديّ أو عبادي من عبادة، بالنظر إلى وجوب طاعة الله وإخلاص النية في أدائها إن وجبت، لا غير.

وعدم ملاحظة هذا البعد قد ولّد الشّطط في أمر هذا البيعات التي أصبح أمرها فرطًا منذ الغزو الحروري لساحة الشام. إذ تصور الشباب الغر، وصُوّر لهم، أنهم يجب أن يسارعوا لبيعة، أيّ بيعة، يحققوا بها واجبًا شرعيا ويقيموا بها عبادة هُدمت ويحيوا بها سنة نقضت. وهو دورٌ في المسألة، أيّ خلفوا السبب بالنتيجة. فالبيعة واجب وسنة حين تتحقق شروطهًا، فتدل عليها، لا أن نصطنع شروطها، ثم نبايع عليها لنكون قد حققنا السنة وأقمنا الواجب.

والبيعة على أنواع في الشرع، أعلاها البيعة على الإسلام كما في بيعة العقبة الأولى، وهي التي لا يجوز نقضها، وحكم ناقضها الردة والقتل بعد الاستتابة. وهذه البيعة اليوم يأخذها أيّ وليّ أمرٍ أو شيخ أو مُقدّم في قومه. ثم البيعة على النصرة والمنعة، كما في بيعة العقبة الثانية، وهذه لا يحلّ نقضها إلا حالة العجز عن القيام بواجباتها، فيجب ردّها على المُبايِع. ثم بيعة الجهاد، وهذه لا يحل نقضها أو ترك الجهاد إلا بإذن المُبَايَع، وتركها كبيرة من الكبائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت