ثم بيعة السمع والطاعة، الثابتة في حديث البخاري من حديث عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان". ولهذه البيعة درجات، منها بيعة السفر، وهي بيعات محدودة بغرضها لا تتجاوزه، ولا إلزام فيها بما ليس من مهمات توصيفها الأصلي. وأعلاها بيعة الإمامة أو الإمارة، فالأولى هي بيعة الإمامة العظمى، وهي أصل الثانية، إذ الثانية لا تقوم إلا نيابة عن الأولى، أي يجمعها نواب الإمام من الأمراء بدلا عنه، ويكون سمعهم وطاعتهم تبعا للسمع والطاعة للإمام."
تلك هي أنواع البيعات في الإسلام، باختصار، إذ هي مشروحة في كافة كتب الفقه والحسبة والسياسة الشرعية، فليطلب الناظر التفصيل في مظانه. إنما يهمنا هنا هو موضع تلك البيعات الإسهالية العوادية التي نبعت مؤخرًا.
وقد اختلط على الكثير من المسلمين، في العقود السابقة، مفهوم حديث مسلم عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه"من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"فتصوروا أنّ البيعة لازمة بذاتها، لا بتحقق شروطها، فعكسوا القضية، كما أشرنا. فصار حالهم يبحثون عمّن يبايعون ليتحقق الحديث، لا يحققوا الحيث حين يجدون من يبايعون، لا قبلها. والميتة الجاهلية معناها أنّ المرء الذي يموت دون بيعة، وشروطها قائمة متحققة، يموت كما كان الناس يموتون في الجاهلية، دون بيعة إمام يقودهم ويهديهم. وكان للناس في الجاهلية رؤساء ومقدمون وكبار عشائر وشيوخ قبائل، يسمعون لهم ويطيعون، لكن لم تكن البيعة من عاداتهم مع الرؤوس متداولة كما هي في الإسلام. فمن مات دون بيعة على النهج الإسلامي ففيه شبه من هؤلاء، وهي منقصة في دينه، وذنبٌ في عنقه بلا شك. ولم يؤول الميتة الجاهلية بأنها كفرٌ إلا الخوارج على مذهبهم في تكفير العاصي وتفسير ألفاظ الأحاديث حسب هذا المنهج التكفيري [1] .
ثم إنهم لم يجمعوا بين هذا الحديث، وحديث البخاري عن حذيفة رضى الله عنه"فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك". ففي هذا الحديث دلالات كثيرة، أولها أنه يُتَصَور وجود زمان بلا جماعة عامة ولا إمام أعظم (خليفة) ، وإن وُجد الإسلام متفرقًا في نواح ومواضع من الأرض. وثانيها أنّ هذا التفرّق فيه لبس على العوام، ففي هذه الحالة يجب اعتزال الفرق المتناحرة، إن لم يكن أهل السنة معروفين ظاهرين لهذه المُسلم بالذات. ثم إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر ساعتها بضرورة البيعة، ولا ذكر الميتة الجاهلية، فدلّ ذلك على أن البيعة ليست عبادة، وإلا لم يصح نفي إقامتها بحال. ثم إن تخصيصها في هذا النص إخراج لها من العموم بعد التخصيص، كما هو مقرر في علم الأصول، وهو ما يعنى إمكان تخصيصها بأي مخصّصات مشروعة أخرى.
فإذا تناونا البيعة من هذا التصور، وجدنا أنها، كبقية الأحكام الشرعية العادية، معقولة المعنى، تؤدى إلى مصلحة، ويدور طلبها مع تحقق مصلحتها وجودًا وعدمًا. كما أنها، لذات السبب، ليست مطلوبة لذاتها كالصلاة مثلا، بل مطلوبة لغيرها، وهو تقوية وضع الإمام المنصّب، القائم بما التزم به من واجبات تجاه المبايعين. ثمّ إن تقوية وضع الإمام الحارس لبيضة الدين هي في ذاتها مطلوبة لغيرها، وهو حماية بيضة الدين وحراسة أهله. فالبيعة متمم لمتتم. وهذا يضعها في الحجم الطبيعي الذي يراه من ينظر بمقياس النهج النبويّ، ويتحقق بمقاصد الشرع ورتب الأحكام.
(1) راجع الباب الثاني من كتابنا"حقيقة الإيمان"لمزيد التفصيل في مأخذ الخوارج مع هذه الأحاديث. http://tariqlibrary.net 76.net/bookk.php