الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد
تحدثنا في بحث"إقامة دولة الإسلام .. بين الواقع والأوهام" [1] بتفصيل واسع، في اثني عشر مقالًا، عن الخلافة ومركباتها، وشروطها، ومعنى أهل الحلّ والعقد، والتمكين، وسائر ما يتعلق بالخلافة العظمى، بما يناسب واقعنا الحاليّ، خاصة فيا يتعلق بلاد العراق والشام. والحق، أننا قد أهملنا نقطة نتداركها في هذا المقال، قدر المستطاع. وهي تدور حول"الإمارة الإسلامية"وعلاقتها بالخلافة، خاصة في واقعنا المعاصر.
والأصل أنّ الإمارة فرع انبتّ عن الخلافة، لا يجب أن تستقل بذاتها إلا في ظروف خاصة طارئة. فقد وُلدت الخلافة يوم توُفي حبيبنا وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولدت بعد ذلك الولايات، حين ولّى الخلفاء ولاتهم على العراق والشام واليمن، ثم خراسان وما وراء السند، ومصر وشمال افريقية. كانت تلك كلها ولايات، تصغر وتكبر مع اتساع رقعة الدولة، فيجمع بين بعضها أو يقسّم بعضها. وكان عمل الوالى هو إدارة شؤون ولايته وتسيير نظامها وجباية خراجها، وإدارة اعمالها، تماما كمهمة حكام الولايات في النظم الفيدرالية، ومرجعه في ذلك الخليفة أو أمير المؤمنين.
أمّا تعبير الإمارة، والأمير، فقد ظهر أولًا في بعض حديث منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في"إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمّروا أحدكم"، وهو، وإن كان موقوفا على بن مسعود، فله شواهد، وهو كاف للدلالة على ما نقصد اليه منه، وهو استخدام لفظ الأمير، سواء استخدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بن مسعود رضى الله عنه. وقد استخدم بشكلٍ يوحى أنه محدود بمهمة خاصة، أو بعمل محددٍ ليتم هذا العمل على وجه التمام، فكل عمل ليس له رأسٌ خرج خداجًا، إن خرج إطلاقًا!
ثم ظهر تعبير الأمير في لقب"أمير المؤمنين"، على عهد عمر رضى الله عنه، وكانت الإمارة، إن أُطلقت، تعنى إمارة المؤمنين، فهي الإمارة العامة أو العظمى. كما لم يكن من المعروف إطلاق لفظ الأمير أو الوالي إلا على من يوليه الخليفة عملًا خاصًا، وهي الإمارة الصغرى أو الخاصة، كإمارة الحج أو السفر، وكثيرًا ما تتعلق بالمهام العسكرية كذلك.
ثم بدأ ظهور"الإمارة"أو"الدولة"استقلالا بعد أن اتسعت رقعة الخلافة الإسلامية، وحين بدأ ضعف الخلفاء يؤدى إلى تعذر السيطرة على أطرافها، كما حدث في الدولة السامانية والطاهرية وغيرهما، مع أن الكثير منها كان خاضعا لبيعة"خليفة". والحق أن المؤرخين قد خلطوا في استخدام مصطلح"الوالي"و"الأمير"، وتعاملوا معها على معناهما اللغوي الذي يتقاربا فيه، بدلًا من معناهما الاصطلاحيّ الذي يتباعد فيه مفهومهما.
وما يهمنا هنا هو أن نقرر أمران، أولهما أنّ الوضع القائم اليوم هو محاولة لالتياث الظلم التي صارت اليها أوضاع المسلمين، بعد سقوط الخلافة وغياب الدولة المركزية وانعدام الإمامة العظمي. ومن ثمً، فإننا نبحث، كما بيّنا في بحثنا المُشار اليه، في وضع جديد على أرض الواقع، لم يعد افتراضيا كما كان على عهد الإمام الجويني رحمه الله.
وثانيهما، أنّ الغرض من الإمارة، أو الولاية العامة إن شئت، هو مصغّرٌ عن الغرض من الخلافة، وهو جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، وجمع شملهم والقيام بأمرهم في حماية الدين والدنيا. ومن ثمّ فإن الشروط الواجب توفرها في إقامة"إمارة"
(1) هذا المقال يعد تكملة لسلسلة"قيام دولة الإسلام بين الواقع والأوهام"http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72693