فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 721

(224)فائدة: بين قوة الإيمان وتشنجات الهوس الديماجوجي

هناك فروق ثلاثة بين قوة الإيمان وبين الهوس التشنجيّ الديماجوجي (الغوغائي) ، يَحسُن بالمسلم أن يتعرف عليها ليضع نفسه في خانة المؤمن لا المهووس. وهي فروق في الأساس، وفي الوسيلة، والنتيجة. فأساس الإيمان حقٌ لا مراء فيه يشهد له العقل والوحي والرسل، بينما أساس الهوس الديماجوجيّ فكرة طارئة بدعية لدى منشئيها الأوائل. ومن ثم تجد الوسيلة أو الطريق الذي يتبعه المؤمن هو الاستماع إلى الرأي المخالف بثقة وثبات وينظر فيه بعين الاعتبار، فهدفه الأساس هو الحق، فإن أخطأ بعضه طلبه دون تردد. أما المهووس الديماجوجي فهو لا يستمع إلى مخالف، لا ليجد ثغرة يهاجمه منها، لا ليستفيد بما يقول، فالأمر محسوم بالنسبة اليه، وصاحب بدعته لا يخطئ! أما في النتيجة فتجد المؤمن قوي في موضع القوة، خفيض الجناح في موضع الضعف، عفّ اللسان، حسيس الجنان، يَألف ويُؤلف، لا يخشاه الضعيف، ويرهبه الجلف المتنطع السخيف. أما المهووس الديماجوجيّ، فهو سليط اللسان، قليل الأدب، شديد على الضعيف، ضعيف أما الشديد، يكذب ويتأول ويتقى، وما ذلك إلا لأنه يتبع فكرة إنسانية، صبها له مخلوق كأنها كلمة الحق وتوجيه الخالق! وهو ما تراه في طرفيّ المعادلة الإرجائية-الحرورية، بين الإخوانية والبغدادية. فلا يشتبهن على المسلم السنيّ حالهما، فهما أشبه ببعضهما أكثر مما يتصور الفريقان.

د طارق عبد الحليم ... 9 يونيو 2014 - 10 شعبان 1435

(225) فائدة: بين الإرجاء والخروج .. بين التخفيف والزجر

حال العلماء حالٌ لا يعرفه إلا من عاشرهم، واختلط بهم، وتابع فتاواهم، بنظرٍ ثاقب وفكرٍ منفتح. ذلك أنّ العاميّ ينظر في فتاواهم، فيتوهم الاختلاط والاضطراب، ويراهم مرة يفتون بأمر في حال، ثم يفتون بعكسه في حال آخر، يراه هو هو الأول، فيرميهم بالتناقض، ويعزف عنهم، إن لم يتعد عليهم بالانتقاص والتجريح. ولحال العلماء هذا أسباب عديدة، رأيت من أهمها هو ما يتمتعون به من حاسة"التوسط"التي تملي عليهم الفتوى، حسب الزمان والمكان والحال. يقول الشاطبيّ"فطرف التشديد وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر يؤتي به في مقابلة من غلب عليه الإنحلال في الدين، وطرف التخفيف وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص يؤتي به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا ومسلك الاعتدال واضحا وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يلجأ إليه. وعلى هذا إذا رأيت في النقل من المعتبرين في الدين من مال عن التوسط فاعلم أن ذلك مراعاة منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى وعليه يجري النظر في الورع والزهد وأشباههما وما قابلها والتوسط يعرف بالشرع وقد يعرف بالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء كما في الإسراف والإقتار في النفقات"موافقات ج 2 ص.167.وهنا مربط الفرس عند العالم الفقيه، قد يفتي بأمر لمسلمٍ، ويفتي عكسه لآخر، في نفس الأمر، كلّ حسب حاله وزمنه ومكانه. وهذا هو حق العلم، وما لا يقدر عليه إلا الكبراء، وما يتوقف عنه الدهماء.

د طارق عبد الحليم ... 8 يونيو 2014 - 9 شعبان 1435

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت