الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد
إذن، فإن ما نراه اليوم من تنظيمات، تقاتل أو تجاهد أو تدعو، تتخذ سبيلًا إلى غرضها، ليس بالضرورة هو السبيل الصحيح الذي يصل سالكه إلى مقصده. فإن من اتخذ الجهاد، بمعنى القتال، وسيلته الوحيدة، لم يصل إلى هدف الشارع وقصده. ومن اتخذ الدعوة والاصلاح سبيلًا وحيدا، لم يصل إلى هدف الشارع وقصده. ومن اتخذ الفكر والبحث النظري وسيلته الوحيدة، لم يصل إلى هدف الشارع وقصده. فكلّ من تلك الوسائل، هي جزء من طريقٍ متكامل، تتشابك فيه الخطوط وتتقاطع الأهداف المرحلية، ويلزم من مسؤوليها ورؤوسها إدراك موقعهم منها ومدي حاجتهم للتكامل.
وقد يقول قائل، هذا كلام مكرور، محصلته أن الحركات الإسلامية تتكامل فيما بينها، منه الدعوى ومنها الحركي الجهادي. قلنا، ليس صحيحًا، فإننا نقول إن ذلك يجب أولا أن يتكامل داخل إطار حرمة واحدة لا متعددة، وثانيا، يجب أن تكون هذه الحركة متشعبة داخل البناء الشعبي المجتمعيّ التي نشأت فيه لا من خارجه، لا على أطرافه وجوانبه، تنمو منه على خجل، ويفزع منها أو تفزع منها عند اللقاء. هذا فشل مؤكد لأيّ حركة إسلامية حالية أو قادمة.
فما نريد أن نثبته هنا هو أمرٌ يلزم الجميع، ويلتزم به الجميع، وهو أن يكون عملهم أيا كانت طبيعته، مراعً فيه ما يلي:
1.أن يتوجه إلى القاعدة الشعبية من الناس، لا إلى فئة خاصة منهم، وإن كانت تلك الطبقة هي"النزّاع من القبائل".
2.أن يفهم القائمون على العمل الإسلاميّ أن إيجاد تلك القاعدة الشعبية، أو الحاضنة إن شئت، هو الضمان الوحيد، بإذن الله، في استمرار هذا العمل وجدته، واستدامة مصادره وموارده.
3.أن تتعدد أوجه نشاط هذه الحركة بقدر تعدد أوجه نشر الإسلام، من دعوة عقدية، وتعاون اجتماعي وإحسان عائلي وتقارب بين المسلمين، قادتهم وعامتهم.
4.أن يكون معلوما أنّ الكوادر التنظيمية لجماعة ما، هي شكلٌ من أشكال الإدارة، وأنّ الجماعة لا تحدّها بيعة بأي شكلٍ من الأشكال، إذ لا بيعة حقيقية لازمة في عنق كلّ مسلم إلا لخليفة حق، وغيرها تعاون على البر والتقوى. وهذا هو لبّ المسألة كلها.
5.ألا ترى أنه في عهد النبوة، والخلافة الراشدة، لم يكن هناك"جند"مخصوصون للقتال، لا عمل لهم إلا هو، وأن ذلك الشكل من التجييش الدائم، نشأ متأخرًا، مع ترسخ مفهوم الملك العضوض. وما ذلك إلا للسلبيات الهائلة التي تصاحب هذا المفهوم، منها نشأة الولاء للقائد لا للإسلام، طغيان سلطة العسكر على السلطة المدنية، فقدان الروح القتالية الجهادية بتحول الأمر إلى مهنة يتكسب منها المقاتل، فيصبحوا مرتزقة يعيشون على حساب شعوبهم. من ثم، وجب أن يكون الأصل اندماج المقاتلين في صفوف الشعب، يعملون في الدعوة والتوجيه، ويوثقون علاقاتهم بالعامة في كل مكان، مع تخصصهم في الناحية العسكرية، حتى يأتي الوقت الذي يمكن فيه أن يخرجوا على حكام الطواغيت في الشرق.