يذكرني موقف الحرورية البغدادية بموقف إخوة يوسف عليه السلام، إذ قال تعالى يصف حالهم النفسيّ، من برئ لا ذنب له إلا أوهام في عقولهم"إِذْ قَالُوا? لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ { (8) } اقْتُلُوا? يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضً?ا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا? مِن بَعْدِهِ قَوْمً?ا صَالِحِينَ { (9) } ". ها هم يتصوّرون أن يوسف عائق بينهم وبين ما يبتغون، وهو حب أبيهم والسيطرة على قلبه، وما أنبلها من بغية! لكنّ الحلّ، ليس بالتقرب إلى أبيهم والتودد اليه، بل بقتل يوسف أو إبعاده، ثم ماذا بعد؟ يكونوا"مِن بَعْدِهِ قَوْمً?ا صَالِحِينَ"! كيف يكون الصلاح بعد قتل البرئ، بلا ذنب؟ هذه بالضبط هي الخلفية النفسية التي يعمل من خلالها عقل الحرورية البغدادية المريض. المجاهدون المُخالفون عائقٌ لكم في سبيل الوصول إلى بغيتكم وهي السيطرة على الأرض. اقتلوا المجاهدين المُخالفين لكم أو حاصروهم، حتى تتحقق لكم بغيتكم"النبيلة"في إقامة"دولة إسلامية"! هذه هي النفسية المريضة التي تهيأ لأصحابها أنّ الوسيلة الإجرامية توصل إلى هدف نبيل! هذه النفسية الإجرامية هي التي تدفع هؤلاء إلى قتل الأبرياء، رجالا ونساءً وقيادات للمجاهدين، كان من الممكن أن تحارب النصيرية والرافضية في العراق والشام. فارقان بين الحرورية البغدادية وإخوة يوسف، أنّ أولئك قد رجعوا إلى الله في قولهم"قَالُوا? تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِِئينَ"والحرورية لا يرجعوا إلى حق، والثاني أنه كان من بينهم من رفض فكرة قتل يوسف"قَالَ قَآئِلٌ? مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا? يُوسُفَ"، ومن أحس بتأنيب ضمير"أَلَمْ تَعْلَمُوا? أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقً?ا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ"والحرورية ليس بينهم عاقل يندم.
د طارق عبد الحليم 17 يونيو 2014 - 18 شعبان 1435
(218) فائدة: حكاية الحافظ بن بطة وموقف أهل البدع منه
قال الحافظ"عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين والعارفين والمنكرين فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقا أو مخالفا دعاني إلى متابعته على ما يقوله وتصديق قوله والشهادة له فإن كنت صدقته فيما يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان سماني موافقا وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفا وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد سماني خارجيا، وإن قرأت عليه حديثا في التوحيد سماني مشبها، وإن كان في الرؤية سماني سالميا، وإن كان في الإيمان سماني مرجئيا، وإن كان في الأعمال سماني قدريا، وإن كان في المعرفة سماني كرّاميا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سماني ناصبيا، وإن كان في فضائل أهل البيت سماني رافضيا، وإن سكت عن تفسير آية أو حديث لم أجب فيهما إلا بهما سماني ظاهريا، وإن أجبت بغيرهما سماني باطنيا، وإن أجبت بتأويل سماني أشعريا، وإن حجدتهما سماني معتزليا، وإن كان في السنن مثل القراءة سمّاني شفعويا، وإن كان في القنوت سماني حنفيا، وإن كان في القرآن سماني حنبليا، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد إليه من الأخبار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة قالوا طعن في"