الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد
سألني سائل حبيب عن حكم إقامة الحدود في المناطق"المحررة"في العراق أو في الشام؟ وهو سؤال وجيه يجب أن يبيّن فيه الحق، حسب ما تدل عليه الشريعة الغراء. فإن التنظيم الحروريّ قد أقام دعواه على اساس أنّه يقيم الحدود فيما هو تحت"خلافته"، بينما لا يقيمها غيره فيما امتلك من الأرض. والحق، أننا فد أجبنا هذا السؤال فس متناثرات من مقالاتنا السابقة، لكن لا باس من إفراده بالحديث لأهميته.
فأولا، يجب أن نفرق بين موضوع تطبيق الشريعة وتطبيق الحدود. وقد بيّنا، في مقال لنا من قبل، الفرق الشاسع بين إقامة"خلافة"تطبق شرع الله في الأرض، وبين ما تقوم به خلافة المسخ العوّادية، وهو الفرق بين الرحمة والعدلن وبين القسوة والظلم. لكننا هنا سنبين الفرق بين تطبيق شرع الله في الأرض وتنفيذ أحكام الحدود في محلة معينة.
فإن الشريعة الغراء بناء متكاملٌ يمهّد لحياة متكاملة الجوانب، تتعامل مع الإنسان في كليته، بحسناته وسيئاته، بأفضاله ومعاصيه، بما رفعه الله به وكرّمه فيه، وما وضعه وردّه به أسفل سافلين. الشريعة تتعامل مع هذا المخلوق الذي شرفه الله فوق الملائكة، لا مع عاصٍ يراد تقويمه، كما يتصور اصحاب الفهم الظاهريّ القاصر الحروريّ، ولا نحسبهم يفهمون هذا البعد على الإطلاق.
وهذا الفرق الشاسع يمثّل الإسلام في كليّتة وعمومه وشموله، لا تجزأته وتفتيته، فالشريعة، كما قال الشاطبيّ رحمه الله"ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد وهو الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها ومطلقها المحمول على مقيدها ومجملها المفسر ببينها إلى ما سوى ذلك من مناحيها فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فذلك الذى نظمت به حين استنبطت."
وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوى فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده بل بجملته التى سمى بها إنسانا كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها لا من دليل منها أي دليل كان وإن ظهر لبادى الراى نطق ذلك الدليل فإنما هو توهمى لا حقيقى كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال، فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، وشأن متبعى المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذا أوليا وإن كان ثم ما يعارضه من كلى أو جزئى، فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به ومن أصدق من الله قيلا" [1] "
فالخطأ الذي يقع فيه الجاهل بالشريعة أنه يتعامل معها بشكلٍ جزئيّ مفتت، وهو ليس طريق الراسخين، بل طريق المبتدعين من أهل الأهواء، المتبعين للمتشابهات.
(1) الاعتصام للشاطبيّ ج 1 ص 244 وبعدها