الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبعد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: (لا تراءى ناراهما) [1] . وسبب الحديث أن رسول الله بعث خالد بن الوليد إلى ناس من خثعم فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف الدية ثم قال أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين لا تراءى ناراهما."
وواضح من سبب الحديث أنّ وجود هؤلاء القوم المسلمين من خثعم بين ظهراني المشركين قد تسبب في قتلهم خطأً، ولذلك قضي بنصف الدية، لأنه صلى الله عليه سلم حمّلهم نصف الدية لوجودهم بين المشركين. وهو نصّ على التحريم في وقت جهاد الطلب، وظاهر في غيره.
والعموم في قوله صلى الله عليه وسلم في لفظ كلّ مسلمٍ، لابد أن يكون مخصوصًا، سواء بوقتٍ أو غرضٍ، فقد صحّ أن قوافل تجارية كانت تخرج من المدينة إلى اليمن والشام وأرض الروم أيامه صلى الله عليه وسلم، والقوافل تقيم فترات من الزمان، وليس من المستبعد أن يتخلف منها متخلف لقضاء حاجة أو إتمام صفقة. ولو كان العموم على إطلاقه لناقض العادة ولم يكن جاريا على معهودها، وهو لا يستقيم مع الشريعة، بل يعد من التكليف بما لا يطاق. قال الشاطبيّ"وثبت في الأصول الفقهية امتناع التكليف بما لا يطاق وألحق به امتناع التكليف بما فيه حرج خارج عن المعتاد فإذا كل أصل شرعى تخلف عن جريانه على هذه المجارى فلم يطرد ولا استقام بحسبها في العادة فليس بأصل يعتمد عليه ولا قاعدة يستند إليها" [2] .
كما جرى على ذلك عمل السلف والخلفاء من بعده. فإن الحاجة البشرية للتنقل والترحال لا يمكن حصرها ولا يأت شرع بتحريمها. ومن ثم، فإن هذا العموم في الحديث، مخصوص بالعادة والعرف، وبأوقات جهاد الطلب، وبالمصلحة مثل طلب علم ينفع المسلمين وليس له نظير بينهم، وبدفع ضرر قائم مثل التطبب من داء لا دواء له إلا في أرضهم، أو الفزع من ظلمٍ واقع يخشى منه الحبس أو القتل، حتى يرتفع سبب الاستثناء.
وقد جاء نص الحديث"بين ظهراني المشركين"، فالأصل فيه هو عدم الإقامة في أي تجمع يغلب عليه الشرك، وهو يشمل الدول الحديثة بطريق الأولى، وهو ما يدور عليه قولنا.
وسنناقش عدة نقاط في هذا الباب:
(1) أخرجه ابو داود والترمذي والطبراني والقول الذي نختاره هنا هو صحة السند المرسل عن قيس ابن حازم كما ذكر الترمذي ونقل عن البخاري هذا القول.
(2) الموافقات للشاطبي ج 1 ص 99، وراجع تعليقنا عليها في كتابنا"التقريب في فهم الموافقات"