الحمد لله الذي لا يحمد سواه، المحمود على كل حال، وبكل لسان ومقال، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد
مضى عام بالتمام والكمال علي يوم أصدرنا، مع أخي الشيخ الفاضل د هاني السباعي بيان البراءة والمفاصلة. ومنذ ذلك الوقت حدثت أمور كثيرة في الساحة الشامية من تنازع كثير وتواصل قليل، بين الفصائل. كما انكمشت دولة السامرائي وتوقف"تمددها". وأصبحت حركتها أقرب لمحاولة البقاء والاستمرار منها إلى أي شئ آخر، خلاف ما وعدت به حوارييها وأتباعها. كذلك أصبح الغزو المجوسي للعراق أمرًا مشهودًا، وأصبح قتل أهل السنة هناك خبرًا يوميًا يصحو عليه والناس وينامون على مثله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كما بدأ الغرب حملته على ضرب رؤوس أهل السنة، وتقليم أظافر العوادية السامرائية. كما كثفت الدول الصليبية من عنفوان ضربها لقيادات أهل السنة في اليمن، مع بدء ما أسموه عاصفة الحزم. والحق إن هذا العمل العسكري عمل موجه للتمدد الحوثي في اليمن خاصة، لا لغير ذلك، ولا أثر له على الساحة الشامية كما يظن بعض أهل السذاجة ممن لم يتعلم دروس التاريخ وعبره، ويتحقق من سياسة حكام العرب ومقاصدهم. بل قد صرّحت السعودية بأنها ليست في حرب مع إيران، بل مع الارهاب في اليمن!
الخلاف مصدره"خالف"أي باين وفارق ونازع وخاصم، والاختلاف مصدره"اختلف"وهو المباينة والمفارقة كذلك. والفارق بينهما هو أنّ الاختلاف يقع في المذاهب والآراء، بينما الخلاف يقع بين من يقول بالمذاهب والآراء، فالأول موضوعي والثاني شخصي. قال تعالى"لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"أي في مذاهبه وآرائه، ولا يصح أن يكون"خلافًا كثيرا"لغة. كذلك قال تعالى"فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ".
وعلى كل حال، فقد رأينا من الخلاف والاختلاف الواقع في الساحة ما يجب توثيقه لغرضين، أولهما، غرض مستقبلي تأريخيّ لضمان شهادة التاريخ. والثاني، غرض حاضر آن، وهو بسط المسائل أمام الأطراف المتنازعة ليمكن حصرها وترتيب أولوياتها ومن ثم التعامل العاقل المتدرج معها.
وسننحو في هذا المقال إلى النظر في المسائل"الخلافية"من الناحية العقدية، والشرعية التطبيقية، كما في النظر السياسي والاجتماعي. ثم نتبع ذلك بما نراه ضروري في هذا الصدد.
بدأت الفصائل كلها في الساحة الشامية، وقبلها العراقية، من منطلق سني، بشكلٍ أو بآخر، وإن شابه بعض الإرجاء، وبعض الغلو كذلك. إلا أن الاتجاه العام كان هو المنحى السنيّ الذي يحارب الرافضة والمصيرية.