فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 721

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد

ذكرنا في آخر مقال بعنوان"هل تجوز بيعة سُنيٍّ لجماعة الحرورية العوّادية؟"، ما نصّه"أمّا القتال في صفّهم ضد الروافض والنصيرية والعلمانية، إن لزم الأمر، مع تَحيّز الرايات وتميزها، فهو أمرٌ آخر يخضع لظروف القتال، ولهذا حديث آخر". وقد أتت المناسبة التي تليق بالحديث عن هذه النقطة ذات الحساسية البالغة في الاقع الإسلاميّ عامة، والواقع الشاميّ خاصة.

فقد أعلن أوباما توجيه ضربات محدودة نوعية لقوات الجماعة العوّادية، في شمال العراق، وبالتحديد، في منطقتين، أربيل وجبل سنجار، لا غير. وبدأت عمليات القصف بعدها كما تقرر.

وقد تصايحت الحرورية، أنْ"نحن نتعرض للضرب الأمريكيّ الصليبيّ"، وتصايح عدد من أهل السنة"الولاء الولاء .. الدم الدم والهدم الهدم". واحتارت الغالبية فيما ترى وفيما تفعل وفيما تشعر!

وحتى نقرر التقدير الفقهي الصحيح لهذا الموقف، فإنه يجب أن نشير إلى أن عملية إقرار فتوى شرعية أو تقدير لموقف شرعي إن أحببت، هي معادلة في غاية الصعوبة، لا يعرفها ولا يقدر صعوبتها إلا عالم باتساع الفقه الإسلاميّ، ومادته، وما يحتاج اليه الفقيه ليدلي برأيٍّ يمكن أن يقف وراءه كمُوَقِّعٍ عن ربّ العالمين. ومن ثم، فإن تلك الآراء التي نراها تتطاير على صفحات التواصل الاجتماعيّ ما هي إلا خراج جهلٍ وتسرع وتوسيد الحديث إلى غير أهله، وهي كلها من بلاءات مثل تلك المواقع التي جعلت صوتًا لأخرس، وقولًا لأحمق!

هناك معطياتٌ لمثل ذاك التوجيه الفقهي، يجب أن ننظر فيها، كلّها، معًا، ليتضح الموقف الحاليّ، منها أمور شرعية، ومنها مناطات على الأرض.

أولًا: معطيات شرعية:

1.أولها يتعلق بقاعدة الولاء والبراء، وتعنى أنه لا يصح لمسلمٍ أن يقف في صف كافرٍ ضد مسلم، سنيّ أو بدعيّ، على الجملة. لكن هناك تفصيل لذلك، يتعلق بطبيعة القتال ذاته، وبصاحب البدعة، وطبيعتها، وموقفه من أهل السنة حال القتال.

2.أنّ الأصل في مسألة الولاء والبراء هو حفظ النفس المسلمة، لا مجرد كراهة العدو المحارب. بل كراهة العدو المحارب تأتي كذلك من أنّ الكافر المحارب يعتدى على النفس المسلمة، ويعرّض الضرورية الأولى في حفظ مقاصد الشريعة للخطر. فالولاء والبراء، لا يطبق تطبيقًا مباشرًا في كلّ حالة. والشاهد على ذلك العهود والمواثيق التي جاءت بها الشريعة، تقف حائلًا بين المسلمين وقتال المشركين في بعض الحالات. ألم ترى إلى قول الله تعالى"وَالَّذِينَ آمَنُوا? وَلَمْ يُهَاجِرُوا? مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا? وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ? بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ?"الأنفال 72، يقول بن كثير"الآية يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم وهذا مروي عن ابن عباس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت