فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 721

فهذا اللون من الورع البارد والتنطع في الدين، سببه الجهل أساسًا ثم الميل إلى بدعة بعينها دون القدرة على التصريح سرا أو جهرًا. وليس من المصلحة الشرعية أن نقول بأخوة على باطل، فإن ضررها أكبر من نفعها، وقد قال تعالى"واعتصموا بحبل الله جميعا"فقدم حبل الله على الجمع مطلقا، فلا اعتصام على غيره، والمصلحة فيما يراه الشرع مصلحة، لا فيما يصوره العقل مصلحة. بل إن هذا اللون من الأخوة، يؤدى إلى انقسام الساحة أكثر مما هي عليه، إذ يسمح بنتوءات في البنيان السني، لا تزال تنمو حتى تصبح ورما في الجسد السني، يضعفه، ثم يصعب التخلص منه إذ نما وأصبح جزءا لا يتجزأ منه. لذلك فالأولى بتره من بدايته، بالتوجيه والتعليم أو الزجر والتعزير، أو البتر والفصل والإبعاد. وهؤلاء كالسم البطئ في جسد الأمة، يأخذ مفعوله بعد فترة من الزمن، فيوهن قوته الصحية أولًا ثم يقضى عليها.

-مسألة"الغنائم"والتخميس:

وهي مسألة تطبيقية شرعية نشأت من خلال توفر غنائم من النظام أولًا، ثم أصبحت غنائم من"الكفار"ثانيا، وهم مجاهدوا الفصائل عند العوادية الحرورية، ثم غنائم من"البغاة"في القتال بين الفصائل أخيرًا. فتن كقطع الليل المظلم.

والأصل في تقسيم الغنائم أو السلب معروف، لكن الأمر هنا له وجهان، ممن حصلت الغنائم، وما قول أمير الكتيبة أو الفصيل فيها، بناءً على المصالح العامة المرعية.

القول في المسألة:

والرأي الشرعي في مسألة الغنائم معروف لا داع للإستطراد فيه، من حيث التخميس، أو في السلب من حيث حق السالب فيما سلبه. لكن أمرنا هنا ينعقد في مسألتين، أولهما، ضرورة التأكد من بينة أن المقتول كافر يقينًا، لا كافر بتكفير الحرورية أو من هم على مذهبهم فيه. ونحن بشر كالبشر، وإغراء السلب والغنائم كبير، لم يقاومه بعض الصحابة فانحازوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد. فلهذا وجب التثبت.

ثم إن للأمير أن يوجه الغنائم توجيها آخر إن رأي مصلحة في ذلك، إن كان تقيا صاحب ورع وعلم. فإن الأصل هو المصلحة العامة وتقديمها على الخاصة، فإن احتاج إلى مال لإصلاح طريقٍ أو بناء مدرسة فله ذلك بلا جدال. والدول الحديثة تقوم على الجهد الجماعي بشريا وماديًا، والساحة الجهادية يجب أن تعد نفسها لدور أكبر من مجرد مجموعة مسلحين يسعون لغنائم شخصية دون النظر إلى مصلحة الشعب الذي قاتلوا في سبيله. فهذه نظرة بدائية لا تعكس إلا جهلًا وسذاجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت