وقد تولدت فرقة تقف بين البينين، اعتقدت إنها بذلك تبتعد عن الفتن وتتورع، وهي في الحقيقة تشجع الفتن وتتنطع. والمناهج التي يمكن أن يتآخى عليها المسلمون لا تكون في أمور عقدية مقاصدية، بل في أمور عملية وسائلية. وسنرى إن شاء الله موقف هذه الفرقة التي شبهناها بأهل الأعراف، وأثرها في انتكاس الحركة كلها.
القول في هذه المسألة:
من المهم، بل الأهم، هو إدراك معنى المنهج، قبل افتراض الأخوة فيه، إذ الخلط فيه خلط في كل ما ينبنى عليه. والمنهج الذي يتآخى عليه المسلمون فيما بينهم هو السنة، والسنة وحدها دون البدعة. وهي أخص من الإسلام، وأضيق منه نطاقًا. لهذا فإن رسول الله صلى اله عليه وسلم قد نص على الخلافة على منهاج النبوة، لا على الإسلام عامة. فأهل الأرض ينقسمون إلى أربعة دوائر، الأولي أصغرها وهي أهل السنة الخاصة، الذين لا يشوب دينهم شائبة عقدية، وإن لم يأمنوا من المعاصي واللمم، وهم أهل نهج النبوة، ثم يأتي أهل السنة العامة، ومنهم من اتصفوا بالسنة ولكن دخلت عليهم شبهات من إرجاء أو غلو أو اعتزال أو أشعرية، ثم أهل البدع في الكليات، وهم أصحاب الفرق العقدية كلها، ثم ملة الكفر كلها واحدة. والشكل المرفق يبين ما نقصد اليه.
ونحن حين نتحدث عن المنهج النبويّ الذي يتآخي عليه الناس، فإنما نتحدث على تداخل بين دائرتي أهل السنة الخاصة والعامة، فهؤلاء هم من يمكن أن يكون بينهم أخوة منهج، أما أهل الدائرة الثالثة فهؤلاء لا أخوة منهج بين السنة وبينهم، وإلا فهو تخريب وتضليل واتباع لمذاهب البدع، وإخوة على غير منهج النبوة. ويحكم التعامل معهم ما ذكرنا في النقاط السابقة لا غيرها.