الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد
السياسة الشرعية مصطلح مركب من لفظين،"السياسة"و"الشرعية". والسياسة في العرف الشرعي، والمدرك العربي، هي تحصيل المنفعة والمصلحة بأقل الضرر والمفسدة، وهي بطبيعتها"الشرعية"تقتضي اعتبار النظر الشرعيّ في معنى المصالح والمفاسد، ومجالهما، وأبعادهما، من عامة أو خاصة، عاجلة أو آجلة، دنيوية أو أخروية، معتبرة، صغيرة أو كبيرة [1] ، مصادمة لنصٍ أو مندرجة تحت قاعدة، وهو ما يملى كونها معتبرة أو غير معتبرة [2] ، في ميزان الأحكام الشرعية المستقاة من الكتاب والسنة، وما نشأ عنهما من اجتهاد صحيح.
والسياسة في العرف المدنيّ، هي إدارة شؤون البلاد والناس بما يضمن مصالح تلك العصبة من الناس في الدنيا، وحسب النظر المدنيّ ّالذي اتفق عليه"مشرعوهم"و"عقلاؤهم"ممن اختارتهم العامة ممثلين لها، وحسب ما استقرت عليه قوانينهم وما لا يتعارض مع دستورهم الأعلى. فالفرق بين السياستين هو الفرق بين الإسلام والكفر، قولًا واحدًا.
ثم إنه حين نتحدث عن السياسة الشرعية، فإننا يجب أن نراعي بعض الأمور هنا، منها أنّ أمور السياسة هي في الغالب الأعم، أمورٌ محدثة اجتهادية، بل من النوازل، من حيث إن شؤون الناس لا تتكرر في مناطاتها تكررًا متطابقًا بالمرة، فلا يصح فيها تطبيق أحكام فقهية مسبقة إلا على سبيل الاستئناس أو القياس. وإنما يحتاج الناظر فيها، ومن بيده القرار، إلى عالِمٍ يدرك أبعاد الشريعة وأحكامها، لا أن يقول فيها ببادئ الرأي ومعطيات العقل.
ثم إنه يجب أن يكون بَيّنًا لمن بيده قرار السياسة، أنه ليس هناك فرقٌ بين الحكم الشرعيّ وبين المصلحة، فلا يقال، هذا الحكم الشرعيّ، لكن ماذا عن النظر في المصالح؟ هذا قول يحمل تناقضًا ذاتيًا لا يقيمه على قدم. فالحكم الشرعي، أو الأولى الفتوى الشرعية الصحيحة، في أمر يتعلق"بالصالح العام"أو"بالسياسة"هي المصلحة عينها، لا غيرها. فلا يجب أن يتردد في هذا الأمر أمير أو قائد.
إلا إنّ تطبيق هذا التوجه، ليس سهلًا ولا مباشرًا، إذ يتعلق بدقة نظر الفقيه، وسعة علم الناظر. زهو باب واسع جدًا لا يتسع له المقام هنا. لكن نكتفي بالإشارة ليفهم اللبيب منها أنّ هؤلاء المدّعين المتسوّرين على جدر العلم، أو أولئك المبتدعة من الفجرة القتلة الذين يستحلون الحرمات باسم الشرع، أن ليس لهم بالشرع علم البتة. كذلك حتى يتحرى من يريد التزام الشرع من أهل السنة هذه المصالح والمقاصد من وجه متكامل، يرجعون فيه للعلماء لا لقادة جند أو أمراء بنادق.
فإنه قد تقرر أنّ كلّ حكم شرعيّ قد قصد فيه الشارع الحكيم مقصدًا، بل مقاصدًا، وإنه يجب أن يقع فعل المسلم المكلف على وفاق مع هذا المقصد وإلا بطل العمل أصلًا. فإن عُرف قصد الشارع، وجب الدخول في العمل من هذا الباب، لا من غيره تحقيقًا للمصلحة. إلا إنّ وجه المصالح المقصودة شرعا غير منحصر فيما يبدو لعين الناظر، يقول الشاطبيّ"المصالح لا يقوم"
(1) ارجع إلى مناسبة صغر المصلحة أو عظمها إلى جانب المفسدة إلى الموافقات ج 2 ص 372 ففيها فائدة عظيمة.
(2) ارجع على كتابنا"مفتاح الدخول إلى علم الأصول"ص 203 وبعدها