دليل على انحصارها فيما ظهر إلا دليل ناص على الحصر وما أقله إذا نظر في مسلك العلة النصيّ إذ يقل في كلام الشارع أن يقول مثلا لم أشرع هذا الحكم إلا لهذه الحكم. فإذا لم يثبت الحصر، أو ثبت في موضع ما ولم يطرد، كان قصد تلك الحكمة ربما أسقط ما هو مقصود أيضا من شرع الحكم فنقص عن كمال غيره" [1] . وهذا الكلام معناه أنّ إدراك كافة ما قصد الشارع من حكمٍ معينٍ في موضع معينٍ عزيز. ومن ثمّ، فإنّ ادعاء معرفة قصد الشارع، ثم البناء عليها، معارضة للحكم الشرعيّ غرور بالنفس وتهديد للمصلحة العامة."
ومن هنا وجب في مسائل السياسة الشرعية، التي تنبني على الاجتهاد، بإدراك أوجه المصالح والمفاسد أن يُرجع فيها إلى عالم متحقق بالعلم، ليدرك بما أفاء الله عليه من فهم تحصيل وتحليل، وجوه المصالح المتعددة في المسألة المطروحة، فقها وواقعًا.
ولا نريد أن نسترسل هنا في الجوانب الفقهية أو الأصولية من هذه المسألة في أوسع مما يمكن أن يلمّ به مقال، بل كتاب أو مجلد.
فإذا انتقلنا من هذا التعليق النظريّ إلى واقع حال"السياسة الشرعية"التي يتعلق بها كثير من العاملين في الساحة الجهادية اليوم، بحقٍ أو بباطل، وجدنا أنّ جلّ ما يصدر عنهم فيه قصور أو إهمال، بل كما في حالة فرق المبتدعة الغلاة الحرورية العوادية، كله ظلم وفجرٌ وباطلٌ محض، كما في موضوع قتل المصلحة وغيره.
ونضرب لذلك مثلًا من موضوع المفاوضات مع النظم الكافرة، ومثالها النظام المصري سابق قبل سيطرته على الحكم، والنظام السوري حاليًا.
إطلاق القول أنّ"التفاوض مع نظام كافر حرام"هو قولٌ فيه تجوّز ورعونة، كما أن قول"التفاوض مع النظم الكافرة بابه مفتوح بإطلاق"حمق وفساد. إنما يجب أن يقال إن"التفاوض مع نظام كافر بما يجرّ مصلحة أو يدفع مفسدة غير مجبورة على المسلمين ممكن مطلوب بحسب مناطه". ومن صحح هذا من باب فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية فقد أحسن، لكن فاته أنه استشهد بجزئية يمكن الردّ عليها كما كان من الكثير. إنما نريد هنا أن نقيم كليات لا يردّ عليها إلا بكليات مثلها.
وقد قلنا في الكلية التي ذكرنا قيدًا على مطلق التفاوض، وهو أنْ يجرّ مصلحة أو يدفع مفسدة، ثم زدنا على وصف المفسدة إنها غير مجبورة، مما يعنى أنه لا يمكن جلبها او دفعها إلا بهذه الوسيلة. وقد قلنا مطلوب من حيث تختلف درجة الطلب بين الإباحة والندب والوجوب، حسب الحال.
ومما لا شك فيه أن الوضع القائم هو ما يحدد المفسدة والمصلحة، وما يحدّد عِظم أحدها أو صغره، وما يحدد إمكان جبرها من عدمه. ففي مصر مثلًا، أيام تفاوض الإخوان مع العسكر في كامب سليمان وبعدها، كان هذا من أبعد الأمور عن الشرع وأكثرها غفلة تصل إلى درجة خيانة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فإن مركز القوة كان في يد الغالب من الناس، ولم تكن هناك أية مصلحة ظاهرة في التفاوض لم يكن ممكن تحصيلها بغيره، إذ قد خرج الأمر أيامها من يد العسكر، إلا ما سمح لهم به الإخوان بغباء التفاوض. وقد رأينا ما حلّ بالحركة وبالإخوان نتيجة عدم الخضوع لأحكام الشرع، والسير وراء من ادعى لهم العلم من جماعتهم المعروفة بخلوها من العلماء، إلا من هم على دين الإرجاء.
(1) الموافقات ج 2 ص 373