والأمر في الشام يختلف عنه في مصر، إذ النظام السوريّ لا يزال في موضع التحكم، خاصة بعد خيانة السامرائي وكلاب أهل النار من ورائه، مما أضعف الجهاد. لكن هذا لا يعنى أنّ التفاوض مع النظام أمرٌ محتوم كما يحاول بعض قادة فصائل أن يروجوا له. بل إن هناك أمور يمكن أن تكون جابرة لهذه المصلحة، أو دافعة للمفسدة الناشئة عن التفاوض، إن خلصت النيات. ومن الواجب أن يكون معلومًا أنّ التفاوض سيؤدى إلى مفسدة ولا شك، لكن النظر هو فيما يجلب من مصلحة أعظم كثيرًا حتى تلغي في جانبها تلك المفسدة، أو إنه يدرأ مفسدة أعظم كثيرًا من مفسدة التفاوض مع الكفار النصيرية.
كذلك، فإن الشام اليوم ساحة قتال حقيقي وجهاد قائم، مما يجعل كفة المسلمين فيها نوع رجحان لا ينبغي أن يتنازل عنه الناظر في المسألة بسهولة. بينما لم يكن في مصر أيّ نوع من الجهاد أو إظهار القوة، بل مال الإخوان، كعادتهم، إلى السلمية الغبية البدعية المقيتة، حتى وهم على قمة الموجة الثورية! ووجود المجاهدين على الأرض عامل هام في تحديد قيمة المفاوضات واتجاهها، إن رأي العلماء والقادة فيها فائدة للمسلمين.
ومثال آخر، هو موقف حماس، منذ القديم، وسراياها، الذي ظهر عام 2012 في شكر سرايا القدس لجمهورية المجوس على دعمهم [1] ! وهو أوضح مثال على قصر النظر المتناهي في عقول هؤلاء الصغار. فالنظر في مآل هذا الشكر، وسبب هذا الدعم لم يتوافد على عقولهم. وقد يجد أحد لهم عذرًا لما مروا به من مصائب، وما رأوه من خيانة من يدعى السنة من كفار مصر والخليج، لكنّ هذا لا يصحح خطأ ولا يحلّ حراما ولا يجوّز ممنوعًا، ولهم في الصمت مندوحة.
وهناك الكثير مما يقال في هذا الموضع مما يجب اعتباره في موضوع قدر المصلحة والمفسدة، وموضوع التفاوض، فإن هناك ما لا يمكن التفاوض فيه مثل إجراء أحكام غير أحكام الشريعة، أو التنازل عن أرضٍ يعيش عليها مسلمون سنّة، أو تسليم إخوة مسلمين أو أخوات مسلمات، أو ما شابه مما كان مصادما لنصٍ شرعيّ واضحًا لا يحتمل اجتهادًا.
وما يجب أن ننبه اليه أنّ الإيغال في تبرير التفاوض في الشام لا يصح إلا ممن ينظر إلى الجهاد هناك على أنه حكرٌ على جماعته، فيرى نفسه، وحده، أضعف من العدو، فيندفع وراء المفاوضات، ظنّا منه إنه على هدى من الشريعة. بل ساعتها يكون قد خرج عن قيد"غير مجبورة"التي وضعناه، إذ يمكن جبر الضعف الجزئي بالتوحد بين الفصائل، ولو في جبهة مؤقتة لتقوية الصف.
الأمر هنا ليس لتقرير شرعية التفاوض من عدمه، بل لتقرير إنه لا يجب أنْ لا يترك أمر تقدير وتقرير خوض مفاوضات مع النظم الكافرة لقادة الحرب أو أمراء الجماعات، دون أن يكون إلى جانبهم عالمًا، أو علماء، متحققين بالعلم الشرعي الذي ذكرنا منه طرفًا، ليكون الواقع متناغمًا مع أحكام الشريعة، في إصدار فتوى يعمل بها المسلمون. والعلماء المتحققون بالعلم السنيّ متواجدون بحمد لله، كالشيخ السباعي والشيخ أبي قتادة وغيرهما، ولا يلزم وجودهم في ساحة القتال، إذ إن عيونهم هي أولئك القادة، ولم نعرف أنّ مالكًا أو أبي حنيفة أو الشافعيّ لم يستشرهم أحد لأنهم لا يتواجدوا في الثغور! هذه بدعة كلاب أهل النار حين تولى عنهم أهل العلم فلم يجدوا إلا أن يتحججوا بما ليس بحجة ليفوتوا الحق على غيرهم كما فوتوه على أنفسهم.
ونحن اليوم نرى أنّ الكثير، بل أغلب أمراء الحرب وقادة البنادق يضعون أنفسهم وجماعاتهم في يد من سماهم أحد الإخوة الأحباب"شرعيو الاضطرار"، أو يضعون أنفسهم في موضع العلماء فيصدرون بيانات ملؤها الفتاوى والتأصيلات الشرعية التي يعتقدونها هي العلم وهي الفقه، لا غيرها.