الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد
حتى لا يظن ظانٌ أننا نحمل على التنظيم البغدادي الحروريّ، دون اعتبار لكافة الأوجه التي يجب أن يعتبرها الناظر في المسألة، وهي بالذات مسألة حيازة أهل البدعة للقوة، أو ظهورهم على سطح الأحداث، وأثرهم في حفظ الإسلام، فإننا نقرر هنا أنّ تلك الجماعة البغدادية الحرورية ليست بدعًا في ذلك الأمر. إذ إن لها ما لها من نفع، وعليها ما عليها من ضرر.
ويجب، قبل أن نبدأ في الحديث عن هذا الأمر، أن نقرر أنّ الأحكام الشرعية ترتبط عادة برجحان أيّ الوجهين، المصلحة أو المفسدة. إلا إنه يجب أن يعتبر بُعد آخر في المسألة، وهو أن هذه المصلحة أو المفسدة المترتبة على الأفعال، يتغير قدرها بحسب الحال والوقت والمكان، ومن ثم تتغير الفتوى في حلّها أو تحريمها، أو صحتها أو بطلانها. فقد تكون مصلحة غالبة في وقت أو مكان أو حال، ثم تتبدل إلى مصلحة مرجوحة في غيرها، والشأن ذاته في المفسدة.
وحين ننظر في تاريخنا، نجد أنّ ظهور الاعتزال، وعلم الكلام، في القرن الثاني الهجريّ، كان، على ما فيه من عيوب، قد نشأ بقصد سليم، وهو الدفاع عن فكرة الإسلام أمام الإلحاد، أو فكرة وجود الله في مواجهة فكرة عدم وجوده. وهو الميراث الذي ورثه الفكر الإسلامي من جرّاء انتقال الفلسفة اليونانية، وترجمة كتبها، وتسرب الطرق الفلسفية إلى منهج النظر الصافي، الذي يعود إلى القرآن وطرقه ووسائله في الإثبات والنفي. وقد كان دفاع المتكلمين عن الإسلام دفاعا له أوجهه الإيجابية، في وقتٍ ما، إلا أنّ مضرته ربت على منفعته، وتحول إلى علم بذاته، يرتبط بالطرق الفلسفية في أصوله، مما أبعد الدارسين عن القرآن وطرقه ووسائله. بل ساهم في تحوير معنى التوحيد، إذ أسماه أربابه علم"التوحيد"، فرسخ في العقول أنّ التوحيد هو إثبات وجود الله، إذ هو، ببساطة، موضوع علم الكلام، الذي هو علم"التوحيد"، مما أدى إلى البعد عن مفهوم توحيد العبادة الذي هو أصل التوحيد.
وهذا الذي قررناه، يسرى على فكرة ظهور الخوارج في تاريخنا، وإن كانت فكرة الخروج أكثر دموية وأشد ضررًا من أي بدعة أخرى، إذ تتعلق بها الدماء والأعراض والأموال، ومن ثمّ، كانت هي البدعة التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الخصوص، ووصف علاجها"لأقتلنهم قتل عاد"البخاري، بعد أن حذر من البدع عامة في قوله صلى الله عليه سلم عن العرباض بن سارية رضى الله عنه"وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة"الترمذي وأحمد.
فالخروج، كأي بدعة، يقصد به عادة قصدًا موافقًا للشرع، وهو تقرير الأحكام وإقامتها دون خلل أو تضييع، كما يراها أصحابها، وأن سلكوا اليها طرقًا غير مشروعة، كاستباحة دماء المسلمين تحت زعم ردتهم. والبدعة في أصلها، هي"عملٌ مخالف في شكله للشكل الشرعيّ، وإن قُصد به موافقة الشارع فيما قصد اليه. يقول الشاطبيّ"أن يكون الفعل أو الترك مخالفا والقصد موافقا فهو أيضا ضربان: أحدهما أن يكون مع العلم بالمخالفة والآخر أن يكون مع الجهل بذلك فإن كان مع العلم بالمخالفة فهذا هو الإبتداع ... ولكن الغالب أن لا يتجرأ عليه إلا بنوع تأويل" [1] . ونوع التأويل هنا هو ما نقصد اليه. فالخوارج، يقصدون موافقة"
(1) الموافقات، المسألة الرابعة ج 2، مقاصد المُكلَّف ص 340 وبعدها، كذلك راجع المسألة السادسة ج 2، مقاصد الشارع وضع الشريعة للإمتثال ص 702 وبعدها