الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
لفت عدد من الشباب نظري إلى ما صدر عن أبي عمر الحازمي، هداه الله، من تسجيلات في موضوع التوحيد ونواقضه، والإعذار بالجهل وقواعده، وما إلى ذلك مما يشدّ انتباه الشباب المتحمس عامة، وما يناسب هذه المرحلة التي شاع فيها النفاق والكفر، وقهر رجال الإسلام، وتكالب الخصوم عليه، مما دفع الكثير إلى ظاهرة الغلو، وهو ما عايشناه عيانًا في نهاية الستينيات في مصر. حينها، ظهرت ظاهرة الغلو في التكفير، ولا أقول التكفير، إذ التكفير حكم شرعيّ كسائر الأحكام، لكنّ الغلوّ فيه، وتكفير من لم يثبت كفره بشكلٍ قطعيّ لا شك فيه، وهو عين الغلوّ. كما أن الامتناع عن تكفير من ثبت كفره بشكلٍ قطعيّ غلوّ في الطرف الآخر، وكلاهما ليست من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد دوّنت حينها، في نهاية السبعينيات كتاب"الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد"بيانًا لمعنى العذر بالجهل، ودرجاته وحدوده، ردًا على جماعة شكري مصطفي وقتها، التي عُرفت بجماعة التكفير والهجرة، والتي خرجت من رحم القسوة التي مارسها نظام الهالك عبد الناصر، فبدأت تنظيرها في نهاية الستينيات، ثم قُضِي عليها على يد الهالك السادات في النصف الثاني من السبعينيات. ثم عاد الغلوّ، في ساحة الجهاد في الشام، بعد أن كان له دوره في إنهاء الجهاد في الجزائر في التسعينيات. ومما يبدو أنه يظهر على السطح كل عقدين من الزمن!
وقبل أن أبدأ سلسلة أرد على ما جاء به الحازميّ من غلوٍّ، أريد أن أمهد ببعض قواعد عامة، تنير طريق الساري في هذه الدروب، وتضبط بوصلته، وتبيّن بعض المصطلحات التي تأتي كلّ مصيبة وبدعة من الالتواء بها.
أولًا: أن تعبير"كفر تارك التوحيد"، تعبير مبهم، فيه إشكال. إذ لا يشك مسلمٌ أنّ تارك التوحيد كافرٌ، إما أصلًا أو ردة. هذا من البديهيات المسلمات، ومن ضرورات الدين التي يكفر منكرها. لكن الإبهام والإشكال يأتي من تحديد معنى التارك، وحدود الترك، ومن معنى التوحيد وإدخال ما ليس منه فيه، أو إخراج ما فيه منه. ثم في مناط كلّ حالة على التعيين. هذه ثلاثة أمور يجب النظر اليها عند تحرير المصطلح. وهو موضوع ردّنا إن شاء الله.
ثانيًا: أنه يجب التفريق بين الغلاة المُفرطين من أهل السنة، وبين الخوارج. والخلط بينهما يقع عادة من العامة، ومن بعض من انتسب إلى العلم. فالخوارج فرقة اتفقت على أصولٍ كلية محددة، خالفت بها إجماع المسلمين، كجعل ما ليس بمكفر يقيني كفرا، ومثل تكفير مرتكب الصغيرة أو الكبيرة، أو الإصرار عليها، حسب فرقهم المتعددة، والتي وُصفت في الكتاب والسنة أنها من الكبائر أو من الصغائر، بحسب الحال. أمّا ما اختُلف في كونه من التوحيد أم لا، مما هو ليس من الصغائر أو الكبائر، بل يتعلق أصلًا بأمرٍ من أمور العقيدة، فهذا مناط التحقيق في المسألة، وتجلية الأصل فيه.