الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد
لم أجد استهلالا لمقالي هذا أفضل من محاكاة عنترة في أول معلقته [1] ، بأن أقول:
هل غادر العلماء من مُتردمِ في شأن ذاك الخَارِجيّ المجرمِ؟
فوالله لم نترك شاردة ولا واردة، على وجه التقريب، إلا أقمنا فيها حجة على هؤلاء الحرورية الخارجين على السنة أولًا، وعلى علمائها ثانيا، وعلى الأمة كلها ثالثًا.
تحدثنا عن أصل فكرهم، وأنّ الأسباب التي جعلتهم ينضوون تحت مسمى الخوارج كفرقة بدعية، هي إنهم أصلًا"يُكفّرون المسلمين بيقين، بمكفرات هم من يعيّنها كفرًا ثم يقيم بها حد الردة". فهم القاضي والحكم.
وتحدثنا إنهم حين عزّ عليهم أن يجدوا عالمًا معتبرًا يقف في صف بدعتهم، أسقطوا كل العلماء والسابقين من المجاهدين، من اعتبارهم، ورموهم بالانحراف والتبديل، دون أن يكون بينهم عالمٌ واحد يقال له"محترم"في صفوف العلماء، وفتحوا الباب على الغرب للعامة أن يتحدثوا في أمور الأمة تكفيرا وتبديعا، ومن ثم قتلا وتشريدًا.
وتحدثنا عن أنّ فهمهم، الذي امتازوا به عن أسلافهم من الخوارج، إنهم جعلوا إقامة"دولة"هو المقصد العام للشارع، وهو ما يمكن في سبيله قتل ثلاثة أرباع المسلمين، بل تسعة أعشارهم، من حيث إن عدم رضاهم بهذه"الدولة"بالذات"أو بيعتهم لهذا المسخ العواديّ بينه كخليفة، ردة توجب القتل!"
وتحدثنا عن انحرافهم عن خط الحرورية العام، وهو الصدق والأمانة والاستقامة وحسن العبادة، فقد عرفت هذه الحرورية العوادية بسوء الخلق وسلاطة اللسان وخراب الخلق والتقية والمكر واستحلال الخداع والسرقة تحت اسم السلب، وغير ذلك من بشائع الخلق التي لا تجدها إلا فيمن تربي في أحضان عصابات المافيا والعياذ بالله. ولا نعرف والله كيف وصل بهم الحال إلى هذا المستوى الخُلقيّ! ودونك الألفاظ التي تدور على ألسنتهم ليل نهار، رجالهم ونساؤهم سواء.
وتحدثنا عن أنّ أصول بيعتهم باطلة لأسباب عدية، منها عدم تحقق شرط أهل الحلّ والعقد، في تلك العصابة البعثية العوادية التي قالوا إنها من أعطاهم إياها.
وتحدثنا في إنهم لمّا عجزوا عن أن يستمروا في مسرحية بيعة أهل الحلّ والعقد الخائبة، قالوا هي بيعة متغلب! وقلنا إن بيعة المتغلب لا تصح إلا بشروط، أكثرها بداهة أن يكون"متغلبًا"، فأين تغلب هذا المأفون السامرائي؟ تغلب على المسلمين في الرقة ودير الزور التي قتل فيها المسلمين والمجاهدين صبرًا؟ أم في الموصل التي لم يواجه فيها قتالًا أصلًا؟ وأين التغلب، وهم مطاردون في كلّ مكان، تحت النار والقصف، لا يظهر لهم مسؤول ولا يُعرف لهم وليّ أمر يُرجع اليه، بل والفصائل التي
(1) بيت عنترة: هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهمِ