الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد
يملي علينا تسارع الأحداث، وتقارب وقعِها، بشكل غير مسبوق في التاريخ، أن نعاود النظر في الوضع الشرق أوسطي، مرات بعد مرات، نرجع النظر في معطياته وتفاعلاته، ونتائجهما المتوقعة على الأرض. إذ يسعى الناظر، في كلّ مرة، إلى أن يعيد تقييم الأحداث بشكلٍ أدق، يجعله يقترب من الحقائق المستورة، ويكشف المقاصد المدفونة، تحت أقبية السياسة العالمية الخبيثة، الرامية أصلًا إلى إعادة تقسيم عالمنا الإسلامي، وإعادة تشكيله، لزيادة استنزافه، وسرعة تدمير عقائده وأخلاقياته.
والمؤشرات الحالية كلها تشير إلى أن أمريكا، حارسة الليبرالية العالمية وحامية الصليب اليوم، قد قررت، منذ أكثر من عامين، على إثر التقدم النووي الإيراني، وبعد التحولات التي كادت أن تطيح بنفوذها في العالم الإسلامي إباّن ما أسموه"الربيع العربيّ"، أن تستبدل حليفها الأكبر في المنطقة، مملكة آل سعود في الجزيرة، وتتخذ إيران بديلا لها، كحليف استراتيجي، لأسباب عديدة. إذ رغم الانبطاح السعوديّ، والاستسلام التام لرغبات السياسة الأمريكية، ولأسياد آل سعود في البيت الأبيض، فإن الغباء السياسي، واستحواذ الشهوات على أصحاب العروش والكروش في المملكة، جعل الأمريكان يرون أنه من الأفضل أن يتخذ حليفًا أعقل، وإن كان أكثر خطرًا، فإنه من السهل التعامل مع العاقل الماكر، عن الغبيّ المطيع. وآل سعود هم أغبى من وطئ الثرى، أتباع شهوات لا يشق لهم غبار في الغباء!
ثم إن مصلحة أمريكا هي في التعامل مع جهة موحدة، لا متعددة منقسمة فيما بينها كما في الجبهة العربية الخليجية"السنية". هذا خلاف ما لدي النظام السعودي من مشكلات داخلية لا حصر لها، تتمثل في شعب منقسمٍ على نفسه بين محبٍّ لهم بغشم وبله، وعالم سلطان منافق خسيس، ومناوئ لهم بنفاق ومكر، كالسرورية والمدخلية. كما أن من مصلحتها عقد صفقة القرن مع نظام أقوي وأقرب للقوى النووية من هؤلاء السكارى عباد الفرج والكأس!
النظام السعوديّ الآن قد سقط بالفعل، وهو الآن في نصف طريقه للارتطام بأرض الواقع Free Fall. والصفقة قد بانت معالمها، لم تعد خافية على أحد، بل لم يعد الغرب ينكرها.
وتتلخص في مرحلة أولى وهي إيهام النظام السعوديّ أن عدوه الأول هم الإخوان، لصرفه عن عدوه التقليدي المجوسي. ومن ثمّ استنفاذ بعض أمواله، وخلق حالة عداء بينه وبين قطاع من الشعوب العربية داخليا وخارجيًا. وقد تمت هذه المرحلة بنجاح تام.
ثم بعد الانتهاء من مرحلة عداء الإخوان بدعمهم للسيسي، إيجاد"الفزّاعة"الجديدة، وهي"دولة الخلافة"المسخ، التي ساعدت، من جهتها في تحقيق المخطط الأمريكيّ وإن كان تخطيطهم لتحقيق مآربهم من الوجود على الساحة يعتبر فذًا قويًا. فإذا وجودهم معينا على إنفاذ مخطط أمريكا بأفضل مما لو قصدوه ابتداءً. فتنظيمهم الحروريّ، قد ضمن وجود فزاعة لآل سعود تعمل على تسارع سقوطهم، خاصة من الجهة المالية. فحمير آل سعود قد موّلوا السيسي نيابة عن أمريكا. ثم هم اليوم يمولون التحالف، الذي يتلكأ في"حربه"على الدولة، والتي أصبح واضحًا لكلّ صاحب نظر قصير أو بعيد، أنهم إنما يصرفون فيها الوقت والمال، لمجرد استنفاذ أموال الخليج لآخر درهم وريال. فهم يطلقون صاروخا تكلفته مليون دولارًا، تضاف لفاترة السعوديين، ليصيب