فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 721

لعل أهم ما في خطاب الفاتح الجولاني، فيما أرى، هو ذكره للشيخ الحكيم الظواهري، فيما بدا كأنه تجديد لبيعته له. فإن ذكر الشيخ الظواهري واتباع تعليماته، يضع حدًا لموضوع فكّ الارتباك بالقاعدة، من جهة، ويردّ على أية شبهة يثيرها أعداء السنة، مثل عطوان في تحليلاته العلمانية، حيث روج في مقاله الأخير لفكرة أنّ الدعم لجبهة النصرة ولجيش الفتح يأتي من مثلث السعودية-قطر-تركيا، المدعوم بأمريكا، حاليا،، وأن الجيش يعمل تحت مظلتها. وهذا التحليل وهذه الإشاعة، لا يمكن أن تستقيم مع تمسك الفاتح الجولاني بولائه للقاعدة، وببيعته لزعيمها، عند من فهم أوضاع الساحة الشامية.

فإن فكّ الارتباط بالقاعدة مطلب رباعي: سعودي-تركي-قطري-أمريكي، يقصد عزل أية قيادة محتملة في الشام عن القاعدة الأم، ولضرب صورة القاعدة في أذهان ملايين من أتباعها في العالم، وإهدار قدرها.

وهناك من قيادات الفصائل الأخرى، ممن لم يبايع القاعدة ابتداءً، من يشجع هذا القرار ويقف في صفه، لتقليل حجم العداء الدولي للحركة الشامية على حد قولهم. كما أنّ بعض القيادات الأخرى، المرتبطة بالنصرة، ممن بايعت، ترى نفس الرأي لنفس السبب، لتخفيف العبء وتقليل الخسارة. ومن القيادات من خضع للفكرة نزولا على توجيهات الرباعية المذكورة، في سياق تفاوضات محتملة. وأيّا كان التحليل النهائي، لصالح فك الارتباك أو عدم فكه، فقد حسم الفاتح الخولاني هذا الأمر في خطابه لصالح الالتزام بالبيعة مهما كلّف الأمر. وهو أمرٌ يُحسب له من ناحية الولاء واتباع الشرع، وأمور أخرى!

من المشاكل المزمنة في الساحة الجهادية الإسلامية ضد حكامنا هي الخلط المفسد بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية والقيادة الشرعية. والتقصي انّ غالب القادة يقومون بدور القيادة في الأمور الثلاثة كلها، بشكل مباشر أو غير مباشر. فالقائد، أو"الأمير"لو شئت، عسكري من الدرجة الأولى ثم هوعالم شرعيّ يمكنه أن يصدر الفتوى ويسميها"أمر عسكري"! ثم هو سياسيّ يوجه الاستراتيجية العامة من حيث طريقة التعامل مع الداخل والخارج هذا الخلط في المهام هو في حقيقته الشكل الديكتاتوري الذي عرفناه وتعودنا عليه في نظم الحكم العربية، فأصبح سيماء لنا جميعا درينا أم لم ندرى وهو سبب كل تخبط يحدث في الساحة من حيث إنه لا يمكن لشخص واحد أن يكون له القدرات كلها. ويجب أن نفرق بين"الشرعيين"من صغار طلاب العلم الذين يترك لهم الفصل في نزاع على خبزة أو بضع امرأة أو قطعة أرض. كما يجب أن نفهم أنّ مجالس الشورى تعمل، تقريبا، كما كان يعمل مجلس شورى كل بلد عربي، استشاري، وللقائد الكلمة الأخيرة.

هنا يكمن الخطر الأكبر والداء الأعظم. إننا لا نمارس لا شورى ولا ديموقراطية حقًا. فالواجب هو الفصل التام بين تلك السلطات الثلاثة، الشرعية، وهي ذات التوجيه الأعلى، والسياسية، وهي التي تصدر القرارات، والعسكرية، وهي التي دورها تلقى الأوامر ورسم الخطط للتنفيذ لا غير، وهي مسؤولة أمام السلطة السياسية لا العكس. وهذا التقسيم الثلاثي ليس قرينا للتقسيم الثلاثي الحكومي من سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية، بل هذه الأقسام الأخيرة تقع كلها تحت السلطة السياسية كفروع لها. وهو تصورنا لشكل الحكومة الإسلامية كما استشففنا من السنة وفعل الصحابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت