فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 721

إن الحمد لله نستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد

من الصعب، في حقيقة الأمر، أن نطلق مصطلح"فكر الحرورية"، دون أن نشير إلى حقيقة أنه لا"فكر"بشكلٍ محدد يمكن نسبته إلى الحرورية. ذلك أنّ المنطلق الحروري في التفكير يعتمد النظر إلى الشريعة من خلال أحكام جزئياتها، لا من خلال اعتبار كلياتها. فهي في هذا المذهب، ليست كلَّا عضويًا واحدا كالجسد الواحد، بل هي أعضاء متناثرة يتركب منها مخلوق مشوّه ليس بآدميّ سويّ كما خلقه الله سبحانه، وهو ما سنبيّنه بصورة أوسع فيما يأتي إن شاء الله. وهذا المنطلق ليس فكرًا، بل هو إلى التطبيق المباشر، ومن ثم الظاهرية، أقرب مأخذا من أيّ شيء آخر.

والمنطلق الحروريّ في تناول الأمور، أو إن أردت الاختصار، الفكر الحروريّ، فيه الكثير من الأخطاء المنهجية، وإن اعتمد أساسًا على نفس المصدر التشريعيّ الذي يعتمد عليه علماء السنة، ألا وهو القرآن والحديث. لكنّهم بعد ذلك يختلفون عن علماء السنة في منهج النظر إلى تلك النصوص التشريعية، تأصيلًا وتحليلًا، ومن ثمّ، مأخذا وتطبيقًا.

والحرورية على مدى التاريخ، لم يكن لهم دور في إنشاء منهج نظريّ متكامل، يجمع شتات مذهبهم، كما فعلت الأشاعرة على سبيل المثال. ومن ثم، فإن الأشاعرة، أقرب إلى أهل السنة، كمذهب، من غيرهم. ومن الجدير أن نشير إلى أنّ عددا من أكابر علماء السنة قد تبنوا قولا من أقوال الأشاعرة، مما لا يجعلهم في عداد"فرقة"الأشاعرة بالكلية. لكنّ هذا أمر يخرج ببحثنا عن مساره المعتمد.

وسنحاول في هذا العرض أن نبيّن مناحي الانحراف في الفكر الحروريّ عامة، والعواديّ خاصة، في أصول نظرهم وفي التفريعات التي بنيت عليه. والحق إننا سنحاول أن نبني لهم أصولًا نجمعها من شتات تصرفاتهم وأقوالهم، إذ ليس لديهم من يقدر على ذلك، لفقرهم الطَبعي في الناحية العلمية الشرعية.

لعل الأصل الذي يخرج بالحرورية من دائرة السنة إلى البدعة هو ذلك النمط من"النظر الجزئي"، والذي أشرنا اليه آنفا. ذلك أن هذا المنحى هو أصل مشتركٌ بين كافة الفرق البدعية. يقول الشاطبيّ في تمثيله الرائع عن منهج أهل السنة في النظر والاستدلال بالدليل الشرعي"وما مثلها - أي الشريعة - إلا مثل الإنسان الصحيح السوي. فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمى بها إنسانا، كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها لا من دليل منها أي دليل كان وإن ظهر لبادى الرأي نطق ذلك الدليل فإنما هو توهمي لا حقيقي، كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت