فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 721

إنسان لأنه محال. فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما، أي دليل كان، عفوا وأخذا أوليا، وإن كان ثم ما يعارضه من كلى أو جزئي. فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به (ومن أصدق من الله قيلا) " [1] . وخلاصة ذلك أن التوجه الحروريّ ينظر إلى الشريعة مقطعة مجزأة، تارة يعتبر الجزئيات والنصوص المحددة، بلا نظر إلى الكليات التي يجب أن تقع تلك الجزئيات تحتها. وتارة يعتبر الكليات دون النظر إلى ما تحتها من جزئيات تضبط صحة تطبيقها. وسنعطي أمثلة على كلٍّ من تطبيقات العوادية في هذا العصر."

هذا المَنحى من النظر هو أصل البلاء عند أهل الأهواء، بلا اختلاف بينهم في ذلك. وعليه يتركب سائر بلائهم في المناحي الشرعية الأخرى.

وينشأ هذا المنحى من طريقين، إما شدة الجهل بالشريعة من حيث عدم العلم بها أو صرف الوقت في دراستها ابتداء. وهو ما نراه في تعليقات الأتباع من جهل وتخبط. والطريق الآخر هو النظر في بعض الأدلة مع انحراف في فهم مآخذها، كما يحدث مع بعض من ينسبونهم لعلم. والمثير في الأمر أن كلا الطريقين يصل بسالكه إلى نفس النتيجة الخاطئة! والجهل صفة قد تقع على عدم العلم أو على انحراف العلم [2] .

وفي هذا المنحى، منحى الزائغين، ما فيه من افتئات على الشريعة وواضعها سبحانه، ومبيّنها للأمة صلى الله عليه سلم. فإن واضع الشريعة واحد صمد لا شريك له، فما كان لها أن تتعدد في توجيه النظر، بل هي تسير على مهيع التوحيد، عقيدة وشريعة. فمن اضطرب في إرجاع بعضها لبعض وجمع أطرافها وترتيب مداركها لتلتقي على طريق واحد، فقد أخل بالمفهوم الواسع للتوحيد، وسقط في جناية رمي الله سبحانه بالتخبط في دلالات أحكامه، من حيث لا يدري.

ولهذا فإن منحى أهل السنة، أو منحى الراسخين، هو اعتبار جزئيات الشريعة مع كلياتها، فلا يتضاربا. والكليات هي القواعد العامة، سواءً التي جاء بها النص أو استنبطت بالاستقراء التام أو التغليبيّ أو الناقص، حسب الحال. والجزيئات هي تلك الآيات والأحاديث التي تحمل حكمًا شرعي في ذاتها، أو يُستنبط [3] منها حكم شرعيّ بطرق اجتهاد.

ويرى الناظر إلى أحوال الحرورية يرى تطبيق هذا المنحى، منحى الزائغين، بحرفية محترفة، كأنهم تلقوه كابرًا عن كابر، أو في هذه الحال، صاغرًا عن صاغر. وليس ذاك. إنما هو طريق يسلكه كلّ زائغٍ منذ أن نزل البيان الخاتم على نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو سبب اختلاف الأمة"ولذلك خلقهم"، وهو سبب سعادة السعيد وشقاء البدعي البليد.

فمثلًا، تراهم يطبقون حادثة من السيرة أو نصّ آية أو منطوق حديث صحيح، دون اعتبار أسباب النزول أو مناط التطبيق. أو علة الحكم، هل هي قاصرة أم متعدية، أو عمومه، وما أشبه ذلك مما ليسوا أهلا للنظر فيه ابتداءً.

اعتبار الجزئيات دون كلياتها:

(1) الاعتصام ج 1 ص 245

(2) انظر"الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد"ص 18

(3) ويجب ملاحظة الفرق بين الاستنباط والاستقراء والاستدلال، ولهذا موضعه إن شاء الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت