فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 721

فمثلا ما جاء عن أحد عوامهم المتعالمين من كلام في جواز، بل وجوب، النفير والبيعة على النساء كما أسماه، دون محرم أو إذن وليّ أمر، إلى ساحة الشام للالتحاق"بالمجاهدين"كما أسماهم، ليحيوا في ظل"دولة الخلافة"كما أسماها، قد اعتمد فيه على قصة أم سلمة، ولحاقها بزوجها بعد أن أعيد اليها ولدها، وصحبة عثمان بن طلحة لأمّ سلمة رضى الله عنهما. وهو استشهادٌ يدل بلا شك على ما أردنا هنا، وهو اعتبار حكاية حال، أو رواية في السيرة، أو حديث، ينطح به قواعد كلية في الشريعة، ثبتت بما لا يحصى من النصوص والحوادث، تمنع المرأة من الخروج في سفر دون محرم، بل عدم وجوب الصلاة في المسجد عليها، بل صلاتها في قعر بيتها أحب إلى الله من صلاتها في ساحته، والصلاة أوجب الواجبات بلا شك، إلا ضرورة، خاصة إلى أرض حرب، لا يأمن الرجال أنفسهم على أنفسهم، وتحرّم أن تتزوج دون إذن وليها، وإلا بطل نكاحها.

كذلك إن نظرنا في مسألة سبي النساء من غير المسلمين، سواء أهل الكتاب أو غيرهم، فقد اتخذ هؤلاء المتعبدون بهذا النهج حكم حلّ سبايا الحرب ليجعلوه أصلًا من أصول الشريعة، وحكما واجبًا يتفاخرون به كأنه واجب مفروض. وحكم السبيّ هو الاباحة المطلقة مستوية الطرفين لا إلى المنع ولا إلى الطلب. وما كان هذا حكمه فهو يدخل تحت تقدير المكلف إن كان في باب الأفعال الفردية، أو إلى الإمام المُنَصَّب إن كان في الشؤون العامة كالسبيَ في الحرب. لكنّ الناظر في كليات الشريعة يرى أنّ الأصل هو الدعوة للإسلام، وإعتاق الرقاب، وردّ الحرية على الرقيق، لا العكس. والسبيَ هو مضاد لهذه الكليات، يجب تجنبه قدر المستطاع. ولم نر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام احتفالًا بسبي نساء العدو، بل قام بما دعت اليه الضرورة، في وقتها، من إيجاد مأوى لهم وحماية، في ظلّ نظام الرق الذي كان قائما في كافة أنحاء الأرض، سواء عند الفرس أو الروم. كما إننا نلحظ أنّ السبي لم يحدث إلا بعد التمكين، في المدينة، لضمان القدرة على ردّ المعتدي. وهذا مما يجب أن يعتبره من يأذن في اتخاذ سبايا في ساحات الجهاد اليوم، مراعاة للظروف المحيطة. أما أن يُترك هذا الأمر لعبة في يد غلمان شبقى، جياع لممارسة جنسٍ حرٍ بلا تكاليف، يرونه في صالح الإسلام، ويجعلونه من شعائر الدين وأركان الجهاد، فهذا تقع مسؤوليته على وليّ أمرهم، إن كان لهم وليّ أمر.

هذا النهج من النظر، الذي يلغي كليات شرعية، ثبتت من عديد من النصوص، فصارت بها قواعد عامة حاكمة، لصالح نصٍ له مناطه الخاص تارة، أو كونه حكاية حالٍ أو قضية عين تارة أخرى، هو أسّ البلاء في باب البدعيات.

ومن الأمثلة كذلك استشهادهم بحديث البخاري عن جابر"نصرت بالرعب مسيرة شهر". استدلوا على أنّ الرعب الذي يلقونه في قلوب المسلمين لسماع قدومه هو ما نصر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا منتهى الخطأ والتجني على السنة. فإن الكفار هم من ألقي في قلوبهم الرعب، لا من أسلم. والإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستلزم التسليم له عليه الصلاة والسلام. أمّأ التسليم إبراهيم بن عواد السامرائي فليس إسلامًا، بل هو تسليم لعصابة شرّ مستطر.

كذلك ما جاؤوا به في موضوع الذبح، وهو يقع تحت نفس الأصل المنحرف، حيث اعتبروا جزئيات وردت في الشريعة، بنوا عليها أصلًا لا يتأصل وقعّدوا بها قاعدة لا تنهض. وقد رددت عليه تفصيلًا في مقال بعنوان: هل ذبح البشر من الإسلام - جُرْمُ على جُرم؟ [1] فارجع اليه.

وهذا الذي قلنا تجده منبثًا في أدبياتهم كلها، سواء كان استشهادهم بنصوص قرآنية أو حديثية، أو كان بإيراد أقوال أئمة في مواضع لا تليق بالاستشهاد، كما أوردوا قول النووي في باب قتال المحاربين من دفع الصائل تدريجيًا حتى لو وصل إلى قتله قُتل، وهو ما ورد عن بن تيمية كذلك، فإن ذلك ثابتٌ في حكم الصائل، لا في حكم المخالف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت