اعتبار الكليات والعمومات دون جزئياتها ومخصصاتها:
يجب أنْ نذكر هنا أن تمزيق أوصال الشريعة واتخاذها عضين، هي السمة الرئيسة لأهل البدع عامة، وللحرورية خاصة. وكما يقع الحرورية في الاشكال الأول من اعتبار الكليات دون جزئياتها، يقعوا في النقيض والضدّ من هذا، باعتبار الكليات دون جزئياتها، وهو دليل على التخبط في المنهج، بل عدم وجوده أصلًا. فالمنهجية تستلزم وحدة في طرق النظر، لا تضاربا صارخا بينها.
والخلل الأول، اعتبار الكليات دون جزئياتها، ينتج تلك الفتاوى المخالفة للسنة النبوية في أبواب المعاملات بشكلٍ عام. أما الخلل الثاني، اعتبار الكليات دون جزئياتها، فهو أخطر شأنًا، إذ ينشأ عنه الخلل العقدي أساسًا.
ذلك أنّ الحرورية قد نظروا إلى النصوص العامة، مثل"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"، أو"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، فأطلقوها دون قيد أو شرط، على عمومها، دون أن ينظروا في الحالات التي قد تقع تحتها، من اعتبار المقاصد أو تحقيق المناطات، أو وجود الموانع. وهذا هو عين اتباع المُتشابه وترك المُحكم. فقد أجمع علماء الأصول، من المُعتبر إجماعهم، على أنّ العمومات والمطلقات دون مخصصاتها أو مقيداتها، هي من المتشابه، وتقع تحت مفهوم آية آل عمران"فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ? فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ"7. فإن أحد أوجه المتشابه هو غير الواضح بذاته، وما يحتاج لغيره لبيانه، كالعام والمطلق والمجمل. ولذلك يجب الرجوع فيه إلى العلماء الراسخين بنص الآية.
ومن هنا انفتح باب التكفير بالعمومات، وباب تكفير المسلمين، ومن ثمّ قتلهم، على مصراعيه، كما انفتح باب الفسق والفجور على مصراعيه من نفس الباب لدى المرجئة باعتبار العمومات مثل"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة". تشابهت قلوبهم.
ولسنا هنا نقصد ما قصد اليه المرجئة من اسقاط قول بن عباس"كفر دون كفر"على آيات المائدة، بل قد رددنا عليهم عشرات المرات [1] وأوضحنا أنّ هذا في الرد ّعلى الأزارقة الذين جعلوا ارتكاب الذنوب والظلم في بني أمية كفرًا، وأرادوا حمل ابن عباس علي القول به، وهو ليس بكفرٍ أكبر، إذ ليس تشريعًا من دون الله. إنا نقصد هنا اعتبارات أخرى، كالتأويل أو شبه الاكراه أو غير ذلك، مما قد يرفع صفة الكفر الأكبر في بعض المناطات. وإطلاق الأحكام جملة دون تفصيل، هو عمل الجهال من الرجال، إذ لا تستوعب عقولهم التفصيل ولا فهومهم المناهج.
وقد دوّنت مقالًا مخصوصًا، تحت عنوان"رفع الشبهات في موضوع الولاء والبراء"، من جزئين، فليرجع اليه من شاء التفصيل [2] في هذه الجزئية.
وقد أعان على تلك الفتنة، عالم آل سعود، الحازميّ، الذي تخصص في تتبع عبادة القبور وترك عبادة العروش والقصور، وكيف لا وهو يعيش في أكناف أصحاب العروش والكروش ويدرّس في معاهدهم، فخلّط في مسألة الإعذار بالجهل، ومنح العوام صكّ الفتوى في الدماء والأعراض. وقد دوّنا مقالات في الرد على ادعاءاته، وحمّلناه كِفلا مما حدث للمسلمين بسبب جهله بمآلات الكلام، على خطئه في أصولها ومناطاتها.