فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 721

لذلك، ترى التخبط في أحاديث هؤلاء، سواء متحدثهم، صبحي حمام، المعرف بالعدناني، من استشهادات في غير محلها، بعضها عمومات يستدل بها على مخصوص، وبعضها جزئيات يستعملها للتعميم، أو ما تفيض به مواقع التواصل الاجتماعي من فتاوى عوامهم التي لا نهاية لها، والتي تشهد بالفوضى التي ألقوا فيها الساحة الإسلامية عامة. وهو أمر لا يحسن كشفه إلا عالم متحقق، كما كشفه الشيوخ الأفاضل السباعي والمقدسي وغيرهما.

عدم اعتبار الاستثناءات في الشريعة الإسلامية [1]

انتهينا في المقالين السابقين إلى بيان أصلين منحرفين من مناحي الحرورية في التفكير، وهما اعتبار الجزئيات دون كلياتها، واعتبار الكليات والعمومات دون جزئياتها ومخصصاتها.

والمنحى الثالث الذي يلحق بهما هو عدم اعتبار الاستثناءات في الشريعة الإسلامية، وتقدير الفرق بين العذر والرخصة والاستثناء والأدلة الشرعية الاجتهادية في المصلحة والاستحسان، وعلاقتهما بالتقييد والتخصيص. وهو أمر لا يعتبره أو يتصدر له إلا عالم حقٍ.

فالعذر في الشريعة هو ما يقع من المُكلف، أو له، فيرفع عنه الحكم أو مقتضاه، جزئيا أو كليًا، مؤقتا أو مستديمًا، حسب النظر الفقهي، كما في العوارض الأهلية، كالجهل والخطأ والاكراه. فإن وقع العذر سببًا رفع الحكم، وإن وقع مانعًا رفع مقتضاه، حسب ما تقرر في الأصول.

وللعذر صلة بمعنى الرخصة، إذ الرخصة هي استثناء من الأصل، لوقوع مشقة فوق الطاقة عادة. وإن كانت الرخصة مشروعة أصلًا للكلّ دون استثناء إن وقع مقتضاها، خلاف العذر، فيجب فيه التعيين. والتقييد والتخصيص نوع من الاستثناء وإن كان منفصلا لا متصلًا. كذلك النظر الفقهي في دليل الاستحسان والمصلحة. فالاستحسان هو عدول عن مقتضى القياس الجليّ إلى حكم آخر أليق بالمسألة لعلة مناسبة فيه. والمصلحة هي حكمٌ يخرج به المجتهد في محل ليس فيه دليل على الخصوص إلا ما اجتمعت عليه قواعد هامة دلت على جنسه.

ومن أمثلة ذلك النظر ما يطبقونه في مسألة الإعذار بالجهل، ومسألة إعذار العاذر، وذلك المسلسل التكفيريّ الذي هو وصمة عار وبصمة شنار في بنائهم الهار. وما استباحوه، ولا يزالوا، من دم المسلمين إلا بسبب الخلط في هذا المفهوم الي عنونا له هنا. وعدم اعتبار هؤلاء للشروط والموانع، وللمقيدات والمخصصات، وإطلاق التكفير العينيّ وقتل النفس التي حرم الله بناء عليه، دون ايّ نظرٍ فقهيّ، هو أصل داء الحرورية، وأسّ بلائهم العقديّ.

وكلّ هذا مقرر في الأصول، ولا أقصد شرحه هنا بأي شكلٍ كان. لكن ما أريده هو توجيه النظر إلى أنّ هناك الكثير من التفريعات الفقهية المبنية على أصول الشرع الحنيف، ما يخرج بالحكم عن مجرد منطوق حديث أو آية، كما يفعل عوام الحرورية، أتباعا ومشايخًاّ، إذ كلهم لا يرتقي عن رتبة العوام. وعدم اعتبار مثل هذه الفروق، وجعلا لبنة في بناء النظر الفقهي الذي تخرج التصرفات بناء عليه، لهو افتئات على الشرع وجهل مركب، لا يؤدى إلى خيرٍ أبدًا.

(1) نشرنا مؤخرًا بحثا متكاملًا في هذه النقطة بعنوان"الاستثناءات من القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية"http://www.alukah.net/sharia/0/85060/

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت