الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد
أمران، خاص وعام، أريد أن أنوه بهما قبل أن آخذ في صلب موضوع مقال اليوم. أما العام، فيتعلق بدرجة الفتوى وتوجيهها حسب حال المستفتي، سواءً كان فردًا أو جماعة. فإن مراعاة الوضع العام للمستفتي يملى على المفتي أحكامًا بذاتها، تتغير حسب حاله وواقعه. وقد ورد ذلك عن ابن عباس رضى الله عنه فيما حكاه النووي في مقدمة المجموع:"قال الصيرمي: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العاميّ بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره، وله فيه تأويل، جاز ذلك زجرًا له، كما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن توبة القاتل فقال: (لا توبة له) وسأله آخر فقال: (له توبة) ثم قال:"أما الأول فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينًا قد قتل فلم أقنطه" [1] . كما قرر الشاطبيّ نفس المعنى، قال"فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف أو وجود مظنة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطرفين كان التشريع رادا إلى الوسط الأعدل لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه" [2] . فيجب على من يقرأ فتاوى العلماء في أيامنا هذه أن يأخذ ذلك في الاعتبار، إن كان من أهل النظر والاستبصار."
أما الأمر الخاص، فهو يختص بكلمة"دون"التي استعملتها في عنوان المقال. فهذا اللفظ يستعمل بمعنى"أقل"وهو ما قصدته في الجزء الأول من الهاوان، وبمعنى"غير"وهو ما قصدته في الجزء الثاني، فعلى القارئ الواعي أن يلحظ ذلك فيما يأتي من قول.
ثم تنبيه لازم استدرك به على مسألة"التكفير"حين يقع في كلامنا، وهو إنّ التكفير يفترق إلى ما هو عقيدة وإلى ما هو فقه، وقد بينت ذلك بتفصيل كافٍ في مقالي السابق"الفصام النكد وقضية التكفير" [3] . والشاهد هنا أن التكفير، في غالب حالاته، وإقامة حكمه على الدوام، لا يقع إلا بفتوى عالم رباني متخصص، مشهود له، وهو ما وقعت فيه الطوائف الحرورية، ومنها العوادية المعاصرة. وإنما يمكن للعامي أن يعرف عموماته ويدركها ويتعرف منها على ما هو من المعلوم من الدين بالضرورة، وظاهر ظهور الشمس في رائعة النهار، ككفر النصراني واليهودي وكل من ليس على دين الإسلام، وكفر من سبّ الرسول أو غيّر أو حذف من آيات القرآن عمدا بدعوى عدم صلاحيته لأي سبب من الأسباب. وهذا القول ليس فيه مما ذهب اليه الحرورية مما أصله لهم الحازميّ من إمكان أن يقوم العام بتكفير فاعل الكفر فيما يحتمل مناطات متعددة، كما بيّنا في المقال المشار اليه.
ومن الشواهد على ضرورة الرجوع إلى العالم ما جاء في مقدمة المجموع في معرض الحديث عن آداب الإفتاء"قال الصَيرميّ والخطيب: إذا سئل عمن قال أنا أصدق من محمد بن عبد الله، أو إن الصلاة لعبٌ، وشبه ذلك، فلا يبادر"
(1) مقدمة النووي للمجموع شرح المهذب، فصل آداب الفتوى، المسألة الثانية عشرة.
(2) الموافقات للشاطبيّ ج 2 ص 163
(3) "الفصام النكد وقضية التكفير"http://www.tariqabdelhaleem.net/new/Artical-72827