فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 721

بقوله هذا حلال الدم أو عليه القتل، بل يقول: إن صح هذا بإقراره أو بالبينة استتابه السلطان ... وإن سئل عمن تكلم بشيء يحتمل وجوها يكفر ببعضها دون بعض، يُسأل هذا القائل فإن قال أردت كذا بالجواب كذا" [1] . والشاهد في هذا أمران، الأول أنّ العامة يرجعون في هذه المسائل إلى العلماء، وإلى السلطان أو القاضي لإقامة الحد، والثاني هو تحرز العالم نفسه في الإجابة بما يوضح المسألة للسائل."

قضية كفر دون كفر هي قضية الفصل بين الأعمال المكفّرة بذاتها، المنصوص عليها في الشريعة، المتعلقة بالعقائد أساسًا، أو ببعض الأعمال التي وضعها عدد من العلماء في مصافها مثل ترك الصلاة، وبين الأعمال التي هي من باب الكفر الأصفر التغليظيّ أو ما اشتبه بالكفر مما ليس بكفر يقينيّ لاحتياجه إلى ثبوت النية وتحقيق مناط الكفر الأكبر. فيختلط على الناس، كعادة الناس، أمر"الكفر"و"التكفير". أما الكفر فدرجتان، أصغر وأكبر، وتنزيلهما على العموم أو على المعين. وبناء عليه فالتكفير فنوعان، حق وباطل.

يختلف الحكم بالكفر على المعين عنه على الحكم به على العموم بالنسبة للعاميّ أو العالم. فالعالم الربانيّ قادر، بعد معرفة أحوال قائل الكفر أو فاعله، سواءً كان معينًا أو على العموم، أن يحكم بالتكفير أو عدمه في أي قسم من درجات الكفر بحق لا بباطل. أما العاميّ، فالأصل إنه ليس له أن يحكم بكفر أو ينزل التكفير على معين أو على العموم بتكفيرٍ في إلا في قسم واحد كما سنبيّن في الأقسام التالية، وإلا فحكمه باطل.

فأما القسم الأول، فهو الكفر الأكبر المخرج من الملة، يقع، فيقع التكفير به، بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، في حالة ترتيب الأحكام والقضاء، على يد مفتٍ أو قاض مختص. أو يقع إثباتًا خاليًا من المترتبات ممن قدر عليه من العامة على العموم، في حالة المعلوم من الدين بالضرورة واشتهر بين الناس إنه كفر، لمن ظهر منه ذلك، فإن وقع هذا التكفير فهو حقٌ لا مراء فيه. ومثال ذلك أن يأتي رجل يدعى الإسلام فيقف في جمعٍ من الناس فيدعو إلى تبديل آيات القرآن، ويدعى إنه ليس صالحًا لهذا الزمن، وأنّ نصوصه تخرّب حياة الناس وتهدد مصالح الدنيا. فيقول له أحدهم"أتعي ما تقول؟ أسكران أنت؟ أنت تقول إنّ هذا القرآن مضر بنصوصه الثابتة؟"فيقول"نعم أعلم ذلك وأنا في كامل وعيي، ويجب تغيير هذه النصوص"، فيقال"قولك هذا كفرٌ محضٌ، وتعامل على هذا الأساس، حتى نرى حكم الله فيك على يد مفتٍ أو قاضٍ". فهذا لا يمتنع على العاميّ أن يثبت القول بالكفر للقائل المعين، لا تكفيره عينا، وعليه الدعوة لهجره وتحقيره، وإن لم يجب عينًا على أحدٍ منهم إقامة الحدّ عليه، إذ ذاك من مهمة قاضٍ أن يحكم عليه بالقتل، ويستوفى الشروط والموانع، إن ظهر ثمّة شروط وموانع. وما قلنا هو قولٌ واحد لا خلاف فيه.

وأمّا القسم الثاني، فهو الكفر الأكبر المخرج من الملة، في أمورٍ خفية أو أمور عقدية كالصفات أو المتواتر أو مواقع الإجماع، فإن وقع به التكفير من غير العالم، بل جزافًا دون علم، فهو كفر أكبر في ذاته لكن الحكم بالتكفير باطلٌ، لأنه وقع من عاميّ جاهل.

(1) مقدمة النووي للمجموع شرح المهذب، فصل آداب الفتوى، المسألة التاسعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت