إلا أن هذا المنحى لم يستمر على ذلك، فبدأت تظهر خلافات عقدية عميقة الأثر، سيئة النتيجة، أدت إلى ظهور جماعات منفصلة تحمل عقيدة خربة، سواءً في ناحية الارجاء أو الحرورية.
ولسنا معنيين هنا بمناقشة الفكر الحروري ذاته، واختلافه مع الفكر السنيّ، فقد ناقشنا ذلك من قبل في مقالات عديدة، كما أوجزناه في بيان البراءة والمفاصلة، وبيان عقيدة دولة البغدادي. لكن يكفي هنا أن بثبت ما قلناه سابقًا من أن"من كفّر ولم يقاتل فهو غالٍ، ومن قاتل ولم يكفّر فهو باغٍ، ومن كفّر وقاتل فهو حروري". وفي هذا المبدأ كفية وغناء عن كثير من الشروح.
والحق أنّ توثيق انحراف هذا التنظيم ووقوعه في المنحى الحروري، فكرًا وتطبيقًا، ليس معروفًا بشكلٍ محدد. بل يمكن أن يقال أنه قد تسرب تدسّسًا منذ أيام أبو عمر البغدادي رحمه الله، من كواليس تنظيم"دولة الإسلامية في العراق"، وعلى يد الأنباريّ والبغدادي. منا ليس معروفًا إن كان ذلك باتفاق مسبقٍ مع قيادات بعثية منذ وقتها. إلا إن القيادات البعثية التي التحقت بالتنظيم بعدها، وقادته عسكريًا، قد استفادت من هذا التوجه تمام الاستفادة.
وهذا الخلاف، يكمن في تكفير المخالف، وإلباس بعض التصرفات، إما تصرفات طاعة أو معصية، لباس الكفر والردة، ثم استحلال الدم الحرام بناء على ما ذهب اليه الحرورية العوادية. وقد أدى هذا إلى قتل الكثير من رؤوس الجهاد في الشام، وتشريد آلاف العائلات، وشق صف الحركة الجهادية ضد النصيرية، ومن ثم أدى إلى عكس المقصود. فإن القصد من دعوة"الدولة"و"الخلافة"هو توحد الكلمة وجمع الصف. لذلك فإنه لا يجب أن يدّعيها مُدعٍ قبل أن يأخذ رأي أهل الحلّ والعقد الحقيقيين الذين يمثلون الناس في المناطق التي يدّعي التمكن فيها، لتجنب حدوث ما حدث. فقد أخذ السامرائي مبايعة"أهل حل وعقد"في قرى عراقية، لا يعرفهم أحد، ولا يحلون ولا يعقدون خارج دائرة قراهم، ثم انطلق يقتل من يقف في وجه"بيعته"ويرميهم بالردة والكفر والولاء للكفار ومعاداة الإسلام، وكأنه هو الإسلام! وما للشام ولمصر ولغيرهما في ذلك أهل حلّ أوعقد. فما كان من جرّاء مخالفة مقصد الشارع من قواعد البيعة والإمامة إلا الهرْج والقتل وانشقاق الجهد، واندحار القوى.
والضروري اليوم هو كشف عوار المذهب الحروري، وخطورة مآلاته، التي شهد بها الواقع بالفعل. فهذه العصبة مكتوب عليها الفناء، إنما الأمر أمر وقت لا غير. وقد استدرجت الساحة في الشامم بالفعل إلى مستنقع خلافٍ وصراع يكاد يحسم صراعها مع بشارٍ لصالح النصيرية. ولا نرى أنّ أيّ حوار مع هؤلاء يجدى ولا وزن قطمير. فهذا كما لو حاورت الرافضة في الأئمة الإثني عشر، أو الصهاينة في قدسية أرض المعاد في فلسطين. فهؤلاء الحرورية قد انطلقت سفنهم من مرفأ الخوارج مولية شطر أعماق الشقاق والقتل تعاكس رياح السنة، وتضاد السنن الإلهية في النصر، بقصر النظر في رؤية النتائج السريعة الطارئة. ولعل الغرض من نشأة ذلك التنظيم قد تحول عقيب مقتل أبو عمر البغدادي، بفعل البعثية إلى فرض سيطرة في الشام، لتكون موظئا احتياطيا إن فُرض عليهم مغادرة العراق. لذلك فقد استحر القتل على أيديهم في الشام أكثر بكثير من العراق، رغبة في تطويعها واستسلامها لغزوهم لها. ولا يغرنك