الشارع في مقاصده، لكنهم يأتون بأعمال يعلمون أنها مخالفة للشرع من حيث أن قتل النفس ابتداءً إلا بحقها مخالف، وهنا يأتي التأويل، بالردة، أو مخالفة الشرع، أو عدم الحكم بما أنزل الله، وهكذا. وهو عين أصل الصوفية، والمعتزلة، والمرجئة، فأصلهم واحد ككافة أهل البدع، وهو ما عبر عنه الشاطبي في الاعتصام بأنه"طريقة في الدين، مخترعة، يقصد بالسير عليها التقرب إلى الله سبحانه" [1] . فكلهم، بما فيهم الخوارج يقصدون بالسلوك على طريقتهم التقرب إلى الله، وهم يزدادون من الله بعدًا.
فمن هذا النظر، نجد أنّ أصحاب البدع، عادة لا يصدرون عن قصد سوء على الإطلاق. ومن ثم، فإن النظر يتوجه إلى اعتبار بعض ما قد ينتج عن أفعالهم، حسب ما رآه أصحاب الطريق الأوسط من المجتهدين في تعارض العمل مع القصد [2] ، حيث انقسموا إلى فريق يصححه إلا في بعض العبادات، وفريق يفسده كله، وفريق توسط، فأصلح ما أمكن، وأفسد ما يترتب على العمل [3] .
ومن هذا النظر كذلك، فإن ما يتسبب عن أفعالهم، قد يحمل أوجها صحيحة، وقد ينتفع به الإسلام بشكل ما، في وقت ما، على حالٍ ما. لكنّ هذا لا يستمر ولا يضطرد بحال، إذ إن البدعة مذمومة بإطلاق، والبعد عنها مطلوب بإطلاق، ودفع مفسدتها مقدم على جلب مصالحها في الأعم الأغلب من الأحوال والأوقات والأزمان.
أما وقد مهدنا بالنظر الأصولي في هذا الأمر، فنعود إلى التيار الحروري البغدادي، الذي أصيب به الجهاد الإسلامي في العراق والشام، وامتد بعضه ليصيب التيار الجهاديّ في أماكن أخرى متعددة. والسؤال، هل كلّ ما يفعلونه باطل؟ وهل هم شرٌ محض؟
إذا نظرنا للتنظيم الحروري البغداديّ، وجدنا أنّ مقصده موافق لمقاصد الشارع عمومًا، وهو إقامة حكم الله في الأرض، وإقامة ولاية أو دولة إسلامية تقوم على ذلك. فمقصد الغلاة موافق لمقصد الشارع. لكنّ عمل الغلاة من الحرورية البغدادية، للوصول إلى هذا المقصد باطل وحرام بلا خلاف، وهو محاربة المجاهدين، الموافقين في نفس القصد، والمخالفين في بعض الاجتهادات. والحرورية البغدادية يعلمون أن فعلهم هذا مخالف لمطلوب الشارع، لكنهم يتأولونه بأن هؤلاء قد ارتدوا عن دينهم. العجيب المضحك المبكي، أنهم يفعلون ذات ما اتهموا به"المرتدين"من المخالفين. فقد قتلوا الحضرمي على أخذه مبايعات من عوام ينتمون للجيش الحر، ثم أخذوا هم بيعات من الأركان والبعثيين وحاربوا صفا مع عزة الدورى الصدامي البعثي. ومرة أخرى، لعلمهم أنّ هذا الفعل الذي هو المخالفة إلى ما نهوا عنه غيرهم، هو نفاق مخالف للشرع، تأولوا بأن هؤلاء"تابوا وأنابوا وأصلحوا"، أو إنهم"يحاربون على نفس الهدف". وهو تأويل باطل ونفاق ظاهر. فبأي مبرر يحاصرون الشرقية إذن؟ السبب هو القضاء على المخالف، فهو أمرٌ سياسيّ بحت، يأخذونه على الملوك والحكام الذين يتخلصون من معارضيهم بالقتل، ثم يفعلون نفس الفعل المخالف للشرع، عالمين به، إدعاء أنه يقربهم من الله بإقامة الصنم المعبود"الدولة". ومن هنا نرى أن فعل هؤلاء بدعة بكل ما تحمل هذا الكلمة من معان، كيفما نظرت اليها.
لكن .. لاشك أنّه قد تحققت بعض المصالح بظهور هذا التيار المُعبأ بالغلو، إذ إنه قد أثبت للمترددين والخائبين والمتقاعسين إنه، وإن كان في قادته تسرع وغلو وقصر نظر تجدها في قادة الغلاة عامة، يمكن للإسلام أن تعلو رايته، وأن يكسب أرضًا وأن
(1) الاعتصام ج 1 ص 50
(2) ارجع إلى الرسم التفصيلي أسفله في المقارنة بين القصد والعمل بحالاته المختلفة لتعرف أين تقع البدعة في قسم 4.1.
(3) راجع محاضرتنا رقم 45 في شرح الموافقات.