يحرر بشرًا، على نطاق واسع. كما أثبت ضعف القوى العلمانية أو الرافضية، أو أيا كانت، عن مواجهة تقدم إسلاميّ، وإن كان التقدم الذي حدث كان بسبب العشائر التي هي بمثابة"الحاضنة الشعبية"التي رفضها الغلاة من قبل، وبمعونة"البعثيين"الذين كفّرهم الغلاة من قبل كذلك. لكن الصورة العامة لا تزال في صالح إثبات قوة الإسلام وإظهار قدرته على الحركة والنجاح. كذلك، فقد أعادت الحماسة، والتي هي في حقيقتها فوبيا، الثقة في قلوب الكثير من العوام، والأمل إلى قلوبهم، وإن كان ذلك مبني على باطل كما سنبين.
وهذه المصالح كلها قد عارضتها مفاسد أكبر منها، وعلى رأسها القيام على بدعة، فهذا في ذاته مضرة بالإسلام أكبر في أثرها من أيّ معصية أو كبيرة. ثم قتل الأنفس التي حرّم الله، بتأويل فاسد منافق بدعيّ لا يستند إلى شرع حقيقة، لكن إلى أغراض سياسية، مغلفة بلباس شرعيّ واهٍ من كلمات منمقة مزينة بقال الله وقال الرسول! وقد كان القرآن والأحاديث دائما مصدر الفرق البدعية، لكن كانت المشكلة دائما في تنزيلها على مناطاتها الصحيحة، وهو الذي يفترق فيه السنيّ عن البدعيّ.
ثم عارضتها مضرة شقّ الصف وتحطيم القوى الجهادية التي كان من الممكن مضاعفتها لولا الحرب التي شنوها على السنيين من المجاهدين بتلك الدعاوى التي تأولوها، ثم فعلوا أكثر منها، دون حياءٍ عند القادة، ولا عقل يميز عند الجنود والأتباع.
والغرب يعلم أنه لو لم يتدخل، وترك العراق وحده، لتكفل التنظيم الحروري بتدميره، من حيث سيقاتل العشائر وبقية المخالفين من أنصار الإسلام والنصرة وكافة من لا ينضم تحت لواء صنمهم المعبود"الدولة".
ثم، وهو الأهم، أنّ الله لا يصلح عمل المفسدين، ونقاء العقيدة من البدعة هو غرض أساسيّ في مقاصد الشارع، إذ إن ضررها واقع لا محالة، سواء أدركناه أم لم ندركه، وهو خطر ماحق على الأجيال القادمة. فكما أشرنا في بحث سابقٍ، أن المصلحة هي الفعل الشرعي ذاته، وأن المضرة هي النهي الشرعي ذاته. فسواءً أدركنا ما يفوت من مصالح أو ما يقع من مفاسد بسبب هذه العقيدة الحرورية التي تأوّل لنفسها كما هو حال كلّ فرق البدعة، أم لم ندركها، فإن الضرر واقع لا محالة، والمصلحة الأعلى فائتة لا محالة.
وقد بنت الحرورية البغدادية أحد آرائها الشاذة، التي أدت إلى خراب كثير، ومغالاة في التكفير، على أقوال أحد المقيمين في بلاك آل سلول، يدعونه بالعلامة الحازميّ، حيث أوقعهم في فتنة السماح للعامة بالحكم بالتكفير والردة، وبتكفير العاذر، وهما بدع في القول، وإن ألبسهما ما شاء من نصوص مُلَبِّسَة على العوام. والعجيب المضحك كذلك، هو أن هذا الرجل ذاته يعيش في أحضان مملكة سلول، ولا يكفّر طواغيتها، الذي هو دين الحرورية وعمدة مذهبهم، أعنى تكفير الطواغيت وعلى رأسهم آل سلول. فهذا الرجل بين أمرين، لو أنصفوا، فهو إما عاذر لطاغوت آل سلول، إذ لم يخرج من فيه كلمة واحدة ضده، بل كلها تؤكد ولاءه لطاغوت آل سلول، فهو عند الحرورية البغدادية كافر بطريق اللزوم من واقع فتواه، أو إنه يرى أن التوحيد لا يتضمن الحكم بالشرع، وأنه في الدعاء والنسك لا غير، وهو عندهم إذن كافر كذلك بطريق اللزوم!
ولا أريد هنا أن أدخل في تناقضاتهم، فهي أكثر من أن تستوعبها هذه المقالة، لكن أردت أن أثبت هنا عمى من ينظر إلى تلك المصالح الثانوية التي تتحقق على الأرض دون أن ينظر إلى الصورة في تمامها.