ومن ثم، فإنّ أصل المسألة التي يناقشها المناقشون، وهي"تطبيق الحدود"هو خطأ في أساسه، يصدر من أصحاب البدع والأهواء كالحرورية البغدادية. ولا يجب أن يخلط طالب العلم السنيّ تطبيق الشريعة، بتنفيذ الحدود، فشتان بينهما.
هذا من الجانب الأصوليّ.
أما من الجانب الفقهيّ، فإن الشريعة تشمل كلّ منحى من مناحي الحياة، ولا تقوم جزئياتها، فإيقاف العمل بالربا، ولإقامة اقتصاد إسلاميّ مستقل، وتنظيم الحياة المجتمعية على أسس الاجتماع الإسلاميّ، في العلاقات الأسرية وشؤون النساء بعامة، وغير ذلك من مناحي الحياة، لا يقوم إلا بفرض استكمال شروطها وانتفاء موانعها. كما حدث في أيام عمر بن الخطاب، حين أوقف العمل بحدّ السرقة، سواءً بقرار عام، أو بإيكاله إلى القضاة، فلا فرق، مراعاة لوجود المانع وهو شبهة الحاجة، والحدود تدرأ بالشبهات. واستكمال الشروط، ورفع الموانع ضروريّ قبل تطبيق أيّ حدٍّ من حدود الشريعة، وإلا كان اعتسافًا ومخالفة لمقصد الشارع، وهو كفّ الأذى وردع المعتدي، مع الحفاظ على العدل بأن يكون المحدود [1] مستحقًا بكمال شروط الحد وانتفاء موانع إقامته. بل العدل هنا مقدّم، بضمان استكمال شروط الحد وانتفاء موانع إقامته، لأنّ العدل ضروريّ كليّ، وقطع يدٍ واحدة لا يخرم أصلًا كليًا، بل الخطأ فيه بشعٌ لأنه عدوانٌ على حرمة الجسد أو النفس أو المال، وكلها كليات، لذلك جاء فيالقواعد الشرعية أنّ الحدود تدرأ بالشبهات. وذلك أصله أنّ اليقين لا ياُرفع بالشك، والبراءة يقين، والشك في الجرم لا يرفعه إلا إن كان يقينًا.
ومن ثم، ترى حكمة الشارع في إنزال القرآن، والشريعة، منجمًا، يتعامل مع الواقع واحتياجاته حسب ما يتطور حاله. ولو أراد الله سبحانه لأنزل كلّ تفاصيل الأحكام مرى واحدة، وأخذ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة. وهو مخالف للفطرة والعقل، وللشرع جميعا.
وهنا لطيفة أود أن أشير اليها، تعين طالب العلم على الفهم المستقيم، وهي الفرق بين تحقق الشروط وانتفاء الموانع. فإن انتفاء الموانع هنا، بأنواعها [2] ، هي من قبيل العام، الذي تعتني به الولاة، ويجرى اعتباره قبل وقوع المعصية. أما تحقق الشروط فهو من قبيل الخاص، الذي يقع على الجاني مفردًا، ويكون تتبعه بعد وقع الجناية.
ونحن هنا لا نقول بتدرج تطبيق الشريعة، إذ إن الجاهل بما نقصد يربط بين حديثنا هذا وبين من يطالبون بتدرج الشريعة. إنما نحن هنا، نقول بتطبيق الحدود التي توافرت شروطها وانتفت موانعها. فلو توافرت شروط كلّ الحدود وانتفت الموانع، لوجب تطبيقها كاملة. لكنّ دعونا نختبر هذه الفرضية في ظلّ الواقع الحاليّ.
الحرورية البغدادية تدعى أنّ الناس في ردة، وأنهم أخرجوهم منها بإعلان خلافة بن عواد، وأن غير المبايع كافرٌ، ومن ثم تدعوهم إلى التوبة والتطهر والنطق بالشهادتين. إذن هذا الواقع يصف جاهلية وردة عامة، ككفر قريش قبل عهد النبوة! أفلا يستدعي هذا الوصف أنّ هؤلاء"المرتدين"الذين أسلموا حديثًا، أن يتاح لهم الوقت لمعرفة أحكام دينهم الجديد، فترتفع الموانع التي يجب أن تراعيها"الخلافة"ليصح تطبيق الحدود. ومثال على ذلك، الصبي الذي صلبوه لإفطاره في رمضان. وهذا النظر مجمع عليه فيمن دخل في الإسلام حديثًا.
(1) أو"المُحَدّ"أي من يستحق إقامة الحدّ عليه
(2) راجع"أصول الفقه"محمد أبو زهرة، طبعة دار الفكر العربي، ص 58