أما إذا كانت الحرورية العوّادية، تعتبر الناس مسلمين، وأن البيئة التي يعيشونها إسلامية، ارتفعت فيها موانع تطبيق الحدود، وأقيمت فيها الشريعة بتمامها، فيم إذن وثائق الاستتابة التي يوزعونها على الناس؟ وفيم التطهر والنظق بالشهادة؟ هذا ما نسميه"حيص بيص"!
ثم إنّ الحدود، والتي عرّفها العلماء، كالكاساني، بسبعة، حد الزنا، القذف، السرقة، حد قطع الطريق، شرب الخمر؛ البغي، الردة، إن أفردناها عن الشريعة، وخصصناها بأولية خاصة في التطبيق، من منطلق العقلية الحرورية المحدودة الانتقامية، التي ترى العقاب قبل الإمهال والإنذار، يجب أن ترتفع موانعها كما قلنا، ومن موانعها مثل دفع الضرر المتوقع.
ومثال ذلك حدّ المرأة الحامل أو النفساء، إذ يُتوقع موتها أو موت جنينها، وهذا مخالف لمقصد الشارع، في مجرد الزجر، لا القتل، كما جاء في حيث مسلم عن عليّ رضي الله عنه"قال:"إنَّ أمةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"أحسنت اتركها حتى تماثل". وهذا مثال على منهج نظر النبوة في التعامل مع المسلمين، وما أصبح علي من الراشدين إلا باستيعاب هذا البعد المنهجيّ.
ثم إنه يجب العلم بأنه هناك فرق بين إسقاط الحدّ أو تأجيله، وما ذكرنا هو من باب تأجيله، وكما ذكر بن تيمية عن تأجيل الحدود في دار الحرب، لضرر تقوية الكفار بردة المحدود، وهروبه اليهم خوفًا، قال"إن تأخير إقامة الحد على الجاني لمصلحة راجحة للمسلمين وهو خوف ارتداده ولحوقه بالكفار مما يضعف المسلمين ويقوي غيرهم ... فتأخيره للمصلحة العامة أولى". أمّا إسقاط الحدود فلا يجوز، بل هو معصية عظيمة، وقد ورد عن سول الله صلى الله عليه وسلم"لا تقطع الأيدي في الغزو" [1] .
كذلك يجب أن تصح نية الوالي في إقامتها لصالح العباد، يقول بن تيمية"فهكذا شرعت الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوإلى في إقامتها، فإنه متى كان قصده صلاح الرعية والنهى عن المنكرات، بجلب المنفعة لهم، ودفع المضرة عنهم، وابتغي بذلك وجه الله ـ تعالى ـ وطاعة أمره، ألان الله له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه العقوبة البشرية، وقد يرضي المحدود، إذا أقام عليه الحد. وأما إذا كان غرضه العلو عليهم، وإقامة رياسته ليعظموه، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال، انعكس عليه مقصوده" [2] .
والواجب هنا هو اعتبار دار الإسلام ودار الحرب، وحدودهما، شروطهما. فإننا نرى أنّ دار الإسلام التي تنطبق عليها شروطها بشكل صحيح غير معتسف، لم تقم بعد، لا في الشام ولا في العراق. وقد بيّنا هذا بإسهاب في بحثنا عن"قيام دولة الإسلام" [3] ، فلا معنى للإعادة.
ومن ثمّ، فإنّه بناء على ما ذكرنا، فإن إقامة الحدود اليوم في المناطق"المحررة"، والتي ليست هي"دار إسلام"بالمعنى الفقهيّ، بل هي محاطة من جميع أقطارها بدول وكيانات كفرية، بل مخترقة في داخلها بكيانات كفرية، وفي صراع دائم متواصل مع تلك الكيانات، ولا يفصل"حدودها"عن تلك الكيانات الكفرية إلا حواجز خرسانية متنقلة، توضع وترفع حسب الحاجة، مما يجعل فرار المحدود أمرا في غاية السهولة أولًا، ثم عدم رفع الموانع الشرعية بنشر العلم الكافي ثانيًا، يجعلنا نرى تأخير تلك
(1) الترمذي وقال حيث غريب
(2) مجموع الفتاوى، مجلد 28، ص 330