كافة أحكام الفقه دلالتها ظنية، فهذا إنكار قريب من وقوع القطعي، وفيه ما فيه، وهو أقرب لقول المتكلمين والأشاعرة. ومثال الاختلاف فيه ما ورد في خبر الآحاد، فهو عند الأشاعرة وعلماء الكلام يفيد الظن، بينما هو عند أساطنة أهل السنة يفيد القطع، إن صحّ سنده وسلم من العلل. ثم الظنية التي تقوم في نفس المجتهد، ليست هي من قبيل الظنية الأولى، بل هي عدم اطمئنان لصحة الدليل، قطعي أو ظني كان، وهذه لابد من أن تقوم على القطع ولا مجال لظن فيها، وإلا جوزنا الفتيا على الشك. وهذا هو ما أشرنا اليه في مثالنا، من أنّ الحجة لم تقم، بمعنى أنّ المجتهد الذي يُصدر الفتوى بالتكفير لم تطمئن نفسه بقيام القطع فيها بالنسبة اليه.
فمسألة أنّ التكفير حكم من الأحكام الشرعية، يقوم بالظن، فهذا يتبع ما قبله، فليس كل الأحكام تقوم على الظن، وإن كان المسح على الجورب، أو الاستنجاء من الخراءة يمكن أن يفهم فيه هذا القول، فنحن بحمد الله لا زال فينا بقية من عقلٍ يفرّق بين هذا وبين الحكم بتكفير أحد المسلمين بالظنّ، مع إمكانية القطع فيه.
التعليقة الرابعة: قال"قياس من لم يكفِّر الفرع (عباد القبور) على من لم يكفِّر الأصل (عباد الأصنام) ولا ريب في كفر من شكّ في كفر عباد الأصنام. فهل من حجة بيّنة تدفع هذا القياس البيّن؟ وإذا كانت، فهل هي في رتبة القواطع التي ترفع النزاع وتوجب الوفاق؟ أم للنظر فيها مسرح؟"
قلنا: فيها ظاهرية واضحة في النظر، إذ أخذ فيها بقياس جليّ وهو ما أقرته الظاهرية دون غيره. فإن هذا لا يحسن فيه قياس جليّ، لما سنذكر بعد في الرد على التعليقة السابعة. فالأصل والفرع هنا ليسا متفقين في العلة الجامعة، وهي استصحاب أصل الإسلام. ولهذا وحده يسقط هذا القياس، ولا مجال لقول أنه بيّن. ثم قوله هل هي"في رتبة القواطع التي ترفع النزاع وتوجب الوفاق؟ أم للنظر فيها مسرح"يناقض فيه نفسه من حيث قرر مسبقًا أن الأحكام الشرعية تقوم على الظنون لا على القواطع! ونذكره بقوله"واشتراط القطع داخل في مذاهب أهل الأهواء والبدع"! فترى لمن نستمع، الشيخ حسان في التعليقة الثالثة، أم الشيخ حسان في التعليقة الرابعة، وما بينهما إلا سطور؟
التعليقة الخامسة:"فإن قيل: هنا فرق مؤثر بين الأصل والفرع، وهو أن من يدعو صاحب القبر يستصحب له الإسلام، وعابد الأوثان ليس أصل آخر إلا الكفر".
قلنا، مرة أخرى، كما سيأتي، الاستصحاب هنا ليس لإنفاذ حكمٍ أو ردّه، بل قرينة ترفع القطع وتمنع من تطبيق القياس الجليّ الذي أشار اليه، وهو من الظاهرية في تطبيق كلام الفقهاء وقواعد الشريعة. ولا داع للتكرار، فليس فيها جديد.
التعليقة السادسة:"فإن قيل: النزاع ليس في عابد القبر، وإنما في تكفير العاذر المتأول، وهو مربط الفرس ومستند نسبة الغلوّ إلى الشيخ الحازمي. أجيب: نسبة الغلو إلى الحازمي (حفظه الله) في هذا باطلة لأنها كنسبة الغلوّ إلى من كفّر من لم يكفّر المجتهدين في طلب الدين من غير أهل الإسلام، ومقلدّة اليهود والنصارى والنساء والبله منهم، وهذا الرأي نسب إلى عبيد الله بن الحسن العنبري، وداود الأصفهاني، والجاحظ، وثمامة بن أشرس، والغزالي".
قلنا، كثرة نقول، وقلة استيعاب لما فيها. فهي كلها إما عائدة على الكافر الأصلي كما نقل عن القاضي عياض، أو شبه تكفير كما تلحظ في لفظة"وجوب"في قول الباقلانيّ عن الجاحظ والعنبري، إذ لم يجزم بالتكفير، أو حديث عن حكم الموالاة عمومًا دون التعيين، كما في نقله عن الشيخ عثمان بن فودى. بل إنّ في قول الشيخ بن فودي، الذي نقله الأخ حسين، نقض لمذهبه كله، فالشيخ يقول"يجب عليك يا أخي أن تكفِّر كل من قال: بأن الموالاة ليست كفرا، لأنه كذّب بما في التنزيل، وإن لم تكفّره فأنت"