للكفر حينئذ أقرب منك للإيمان"، فسبحان من خلق العقول والفهوم! إن هذه وحدها تثبت مذهبنا أن العاذر لا يكفر، بل أشد ما جاء فيه أنه للكفر أقرب منه للإيمان، فلم يتجرأ العلامة بن فودي على ما تجرأ عليه الحازميّ والأخ حسين."
التعليقة السابعة: مسألة الاستصحاب: قال"الأمر الثاني: استصحاب حال الإسلام حيث لم يقم سبب الكفر واجب، ولا أنكره على الدكتور ولا على غيره من مشايخنا وإخواننا طلبة العلم، وإنما النزاع في الاستدلال بالاستصحاب في موضع سلّم الدكتور قيام سبب الكفر فيه. وهو خطأ في قوانين الاستدلال؛ ذلك أن الدكتور رعاه الله وخصومه اتفقوا على قيام سبب التكفير، وإنما يدعّي النافي للحكم شبهة مانعة منه، وإذا كان الأمر كذلك لا يصح الاعتماد بالاستصحاب على منع حكم السبب؛ لأن الاستصحاب قد بطل بقيام السبب، والدكتور وأمثاله يدّعون قيام أمر وجودي يمنع من ثبوت حكم السبب، وعليهم بيانه بالدليل المثبت لا بدليل التقرير"
والحق في غير ما قال. فإننا لا نرفع الحكم باستصحاب الأصل، ولكن نورده كقرينة على ضرورة استبيان انتفاء الموانع، والفرق كبير بينهما عند من دقق النظر، ولم يستعجل في التبصر. فالكافر الأصلي يثبت فيه الحكم توًا لأنه"مقارن للكفر، قائم فيه"، والاستصحاب هنا لا عمل له إلا تأكيد قيام الحكم به، أما من كان على الإسلام، فالعكس تمامًا هو الحال.
التعليقة الثامنة: قال عن المرجئة:"وهذا ليس بصحيح لأن المرجئة عند السلف هم القائلون: الإيمان قول. وهو قول الحنفية المتقدمين الذين أخرجوا الأعمال عن مسمّى الإيمان، فكيف يقال: لا يعني أنهم مرجئة"، واجتهد في جعل الأحناف هم المرجئة، لا غيرهم حتى قال"فإذا لم يكن مرجئة الفقهاء مرجئة، فمن هم المرجئة الذين ذمّهم السلف واشتد النكير عليهم؟"هكذا والله، عجيب! فقد جاء هنا بما لم يأت به الأوائل.
لا أدرى والله من أين جاء الباحث بهذه الفكرة العجيبة من حصر المرجئة في الأحناف، وجعلهم هم"فرقة"المرجئة التي تحدث عنها أصحاب الفرق، حصرًا كما يظهر جليًا واضحًا من تساؤله؟
إن مجرد استعمال علماء السلف لتعبير"مرجئة الفقهاء"عن الأحناف، بصيغة المضاف والمضاف اليه، يشير، وحده، إلى تخصيص الأحناف، وإخراجهم من عموم"فرقة"المرجئة الخالصة. بل ذهب الشهرستاني إلى أن"المرجئة أصناف أربعة، مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة"وذكر منهم اليونسية، والعبيدية، والغسانية، والثوبانية، وغيرهم. فلم يعدّ الأحناف منهم إلا في إشارة لما جاء عن غسان من أنه كان يعد أبي حنيفة من المرجئة! فهل تابع الباحث غسانًا في هذا؟ ثم يقول الشهرستاني"ولعمرى كان يقال لأبي حنيفة مرجئة السنة"وبيّن ذلك التشابه لقوله بفصل الإيمان في المسمى عن العمل، كما قال"له سبب آخر، وهو أنه كان يخالف القدرية والمعتزلة الذين ظهرا في الصدر الأول والمعتزلة كان يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئًا" [1] .
وأنقل هنا ما سبق أنْ دونت عن الأحناف، في كتابي"حقيقة الإيمان" [2] ، ففيه مناسبة للقول هنا، ولعل فيه، بإذن الله، فائدة للقارئ والباحث جميعًا. وليلحظ القارئ إنني أشير هنا إلى الهامش الطويل الذي وضعته على عنوان"عمل اللسان والجوارح"، ونصه.
"وقد خالف في هذا - أي إدخال أعمال الجوارح في مسمى الإيمان - بعض فقهاء الكوفة كأبي حنيفة وغيره، ومدار خلافهم في أمرين:"
(1) هامش الفصل في الملل والأهواء والنحل، للشهرستاني ج 1 ص 186 وبعدها، طبعة المثنى ببغداد.
(2) حقيقة الإيمانن د طارق عبد الحليم، ص 18، طبعة مكتبة المدني 1979.