(أ) أن مسمى الإيمان يشمل القول دون العمل.
(ب) إن الإيمان - بمعناه عندهم - لا يزيد ولا ينقص. فنقول وبالله التوفيق قالوا"إن مسمى الإيمان لا يدخله عمل الجوارح، وجعلوه بذلك مرادفًا للتصديق وهو تصديق مخصوص مستلزم للإقرار والانقياد كما سيتضح بعد فيما سننقله عن أئمتهم في معناه - فلاحظوا بذلك المعنى اللغوي - كما أثبتوه - دون المعنى الشرعي كما قال شارح الطحاوية:"فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه نظر إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع وبقية الأئمة رحمهم الله نظروا إلى حقيقته في عرف الشرع فإن الشرع ضم إلى ذلك - التصديق- أوصافًا وشرائط". شرح الطحاوية ص 241. وقد استدلوا على ذلك بأدلة تدل على أن الإيمان هو التصديق دون العمل كقوله تعالى (وما أنت بمؤمن لنا) أي مصدق لنا كما دللوا بمبانيه الإيمان للأعمال الصالحة في التعبير القرآني على افتراقهما في المعنى كقوله تعالى"الذين آمنوا وعملوا الصالحات"فالأعمال إذن ثمرة من ثمرات الإيمان وليست لازمًا من لوازمه، ثم كان من نتيجة هذا النظر أن كان الإيمان - في مصطلحهم - لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وإنما تتفاوت مراتب اليقين القلبي، وأما أصل الإيمان - التصديق - فهو مرتبة محفوظة. وننقل هنا من أقوال أئمة الأحناف ما يدل على ما ذكرناه."
يقول شارح الفقه الأكبر:" (وإيمان أهل السماء والأرض) أي من الملائكة وأهل الجنة والأنبياء والأولياء وسائر المؤمنين من الأبرار والفجار (لا يزيد ولا ينقص) أي من جهة المؤمن، نفسه، لأن التصديق إذا لم يكن على وجه التحقيق يكون في مرتبة الظن والترديد، والظن غير مفيد في مقام الاعتقاد عند أرباب التأييد قال تعالى (إن الظن لا يغني من الحق شيئًا) فالتحقيق أن الإيمان كما قال الإمام الرازي لا يقبل الزيادة والنقصان من حيث أصل التصديق لا من جهة اليقين فإن مراتب أهلها مختلفة في الدين". شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص 70. وراجع التفسير الكبير للرازي جـ 2 ص 26.
ثم يقول بعدها:"وهذا معنى ما ورد لو وزن إيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه بإيمان جميع المؤمنين لرجح إيمانه يعني لرجحان إيقانه ووقار جنانه وثبات إتقانه وتحقيق عرفانه، لا من جهة ثمرات الإيمان من زيادات الإحسان لتفاوت أفراد الإنسان من أهل الإيمان في كثرة الطاعات وقلة العصيان وعكسه في مرتبة النقصان مع بقاء أهل وصف الإيمان في حق كل منهما بنعت الايقان، فالخلاف لفظي عند أرباب العرفان"السابق ص 70.
ويقول صاحب"فيض الباري"العلامة الكشميري:"وأثبت شئ في هذا الباب عقيدة الطحاوي فإنه كتب في أوله أنه يكتب فيه عقائد الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأبى يوسف رحمه الله تعالى، وأحسن شروحه شرح القونوى وهو حنفي المذهب تلميذ ابن كثير ويستفاد منه أن الإمام رحمه الله تعالى إنما نفى الزيادة والنقصان في مرتبة محفوظة كما سيأتي ولا ينفي مطلقًا"فيض الباري شرح البخاري جـ 1 ص 60. وتعليقًا على ذلك نقول: إنه بالنسبة لمسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان فإن الحق - والله أعلم - في جانب جمهور أهل السنة والجماعة الذين اعتبروا إن الإيمان قول وعمل، فالأعمال داخلة في مسماه، فإنه من المقرر في علم الأصول أن اللفظ إن كان له استعمالان لغوي وشرعي قدم المعنى الشرعي على اللغوي. (راجع الموافقات جـ 2 ص 268 وبعدها) .
وأما عن مباينة الأعمال الصالحة للإيمان في التعبير القرآني فقد أوضح الإمام ابن تيمية أن ذلك إنما هو من قبيل عطف الخاص على العام كما في قوله تعالى: (من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) البقرة 98 ومثاله كثير في القرآن.