كما رد ابن تيمية تفصيلًا على ما ذهبت إليه هذه الطائفة من الفقهاء في كتاب"الإيمان"بأكثر من ستة عشر وجهًا فارجع إليها ص 247 وبعدها، ص 51 وبعدها وإنما مرادنا هنا هو إثبات ما ذهب إليه جمهور أهل السنة في هذا الأمر. والمهم هنا هو أن نبين كذلك أنه وإن كان أبو حنيفة قد قصر لفظ الإيمان على التصديق - الذي هو تصديق مخصوص كما سنبينه بعد - فإنه متفق مع أهل السنة جميعًا على ترتيب الثواب والعقاب على الأعمال - وهو ما فارقته فيه المرجئة - سواء فعلها أو تركها فهم في ذلك سواء.
يقول ابن تيمية:"ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان - وهو أول من قال ذلك ومن اتبعه من أهل الكوفة - وغيرهم متفقون مع جميع علماء السنة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد وإن قالوا إن إيمانهم كامل كإيمان جبريل فهم يقولون إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة ..."الإيمان ص 255.
كذلك فإن الحنفية قد جعلوا كثيرا من الأعمال من شرائط الإيمان ومستلزماته، وجعلوا من لم يأتي بها كافرًا، بل توسعوا في ذلك عن سواهم من المذاهب، قال صاحب الفقه الأكبر""... وفي الخلاصة من وضع قلنسوة المجوس على رأسه قال بعضهم يكفر، وقال بعض المتأخرين إن كان لضرورة برد .. لا يكفر الإيمان وإلا كفر"ص 155."
وكذلك:"وفي الخلاصة من أهدى بيضة إلى المجوسي يوم النوروز كفر أي لأنه أعانه على كفره وإغوائه أو تشبه بهم في أهدائه .."إلى غير ذلك كثيرًا جدًا من الأعمال التي نصوا على كفر فاعلها أو على كفر من لم يتركها"إن كانت من أعمال المشركين"فهم وإن جعلوا الإيمان"التصديق"إلا أن ذلك خلاف لفظي لأن من الأعمال عندهم - بل أكثر مما هي عند غيرهم - ما يكفر فاعله ويخرج عن الملة مطلقًا، ونظرة في كتب فقه الحنفية تؤكد ذلك مما لا يدع مجالا للشك (راجع شرح الفقه الأكبر، الإعلام بقواطع الإسلام للهيثمي) .
وأما بالنسبة لمسألة التصديق ومعناه والمراد منه، فقد ذكرنا من قبل أن الأحناف وإن اعتبروا أن الإيمان هو التصديق إلا أنهم جعلوا الإقرار من لوازمه.
= فمدار النجاة عندهم - كمداره عند أهل السنة جميعًا - على الالتزام بالطاعة - كما سيتبين بعد في مفهوم الالتزام عند أهل السنة - مع ترك أعمال الشرك جملة، ولم يجعلوه كما يعتقد بعض مرجئة العصر الحديث - هو مجرد نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر، فإن هذا الأمر مما لا يختلف فيه بين أبي حنيفة وبقية الأئمة لمساسه بأصل الدين ومدار النجاة من الكفر المخلد في النار وهذا ما عناه الإمام الكشميري في"فيض البارى"حيث ذكر أن الخلاف بين أبي حنيفة وبقية الأئمة - وإن لم يكن نزاعًا لفظيًا في رأيه - إلا أنه اختلاف في جهة النظر ولكن مدار النجاة عندهم واحد يقول:
"ومن ههنا علمت أن الاختلاف ليس من باب الاختلاف في الأنظار بمعنى أن هذا مؤد إلى طرف صحيح وهذا أيضًا لطرف آخر صحيح وعند كل حصة صحيحة، والناتج عند كل واحد ناج عن الآخر وكذلك الهالك عند واحد هالك عند الآخر"فيض البارى جـ 2 ص 63.
وهذا الذي أشار إليه العلامة الكشميري هو ما نريد أن نؤكد عليه هنا، فإن خلاف أبي حنيفة وأصحابه مع بقية أهل السنة إنما هو خلاف لفظي يتناول مدلولات الألفاظ أو خلاف في الأنظار يصل إلى طرف صحيح، وإنما المهم هو أن القدر اللازم للنجاة من الخلود في النار عند كل منهما لا يتغير فأبو حنيفة قد أطلق الإيمان على التصديق ثم جعل شرط قبوله الإقرار بالطاعة، والانقياد - وليس نطق اللسان فقط - لضمان النجاة، وأهل السنة قد أطلقوا الإيمان على التصديق والإقرار والالتزام بالطاعة