معًا، وهو المستلزم للانقياد للشرائع عامة وأدخلوا في مسماه الأعمال فيكون بهذا المعنى الإقرار شرطًا عند أبي حنيفة وشرطًا (أو ركنًا) عند بقية أهل السنة.
يقول صاحب فيض الباري:".. فأقول إن الجزء الذي يمتاز به الإيمان والكفر هو التزام الطاعة مع الردع والتبرى عن دين سواه .."إلى قوله:"فهذا هو الصواب في تفسيره. فقد نقل الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى الإجماع على كون هذا الجزء مما لابد منه في باب الإيمان وحينئذ ينبغي أن يراد من الاقرار في قول الفقهاء الاقرار بالتزام الطاعة"الفيض جـ 1 من 51.
وما ذكره في غاية الأهمية للدلالة على أن مراد الفقهاء بالاقرار ليس هو نطق الشهادتين باللسان ولكن هو التزام الطاعة وعدم الانخلاع من الأحكام الشرعية عامة. ثم يبين أن القول بأن الاقرار المنجي هو النطق بالشهادتين يورد إشكالًا يقول:"وههنا إشكال يرد على الفقهاء والمتكلمين وهو أن بعض أفعال الكفر قد توجد من المصدق كالسجود للصنم والاستخفاف بالمصحف، فإن قلنا أنه كافر، ناقض قولنا:"إن الإيمان هو التصديق"ثم يجيب قائلًا: فالحق في الجواب ما ذكره ابن الهمام رحمه الله تعالى وحاصله أن بعض الأفعال تقوم مقام الجحود نحو العلائم المختصة بالكفر."
وإنما يجب في الإيمان التبرؤ عن مثلها أيضًا، كما يجب التبرؤ عن نفس الكفر، ولذا قال تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) في جواب قولهم (إنما كنا نخوض ونلعب) لم يقل إنكم كذبتم في قولكم بل أخبرهم بأنه بهذا اللعب والخوض اللذين من أخص علائم الكفر خلعوا ربقة الإسلام عن أعناقهم وخرجوا عن حماه إلى الكفر، فدل على أن مثل تلك الأفعال إذا توجد في رجل يحكم عليه بالكفر ولا ينظر إلى تصديقه في قلبه ولا يلتفت إلى أنها كانت منه خوضًا وهزءًا فقط أو كانت عقيدة، ومن ههنا تسمعهم يقولون إن التأويل في ضروريات الدين غير مقبول وذلك لأن التأويل فيها يساوي الجحود. وبالجملة إن التصديق المجامع مع أخص أفعال الكفر لم يعتبره الشرع تصديقًا، فمن أتى بالأفعال المذكورة فكأنه فاقد للتصديق عنده وأوضحه الجصاص فراجعه"الفيض جـ 1 ص 5."
انظر رحمك الله إلى قول كبار أئمة الحنفية - كابن الهمام والكشميري والجصاص - وهم الذين أطلق عليهم بعض العلماء - مرجئة الفقهاء لمجرد أنهم أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان لفظًا فقط رغم اشتراطهم للقدر اللازم منها للنجاة من الخلود في النار كبقية أهل السنة سواء بسواء.
يقول شارح الطحاوية مبينًا ذلك:"ولم يقابل لفظ الإيمان قط بالتكذيب كما يقابل لفظ التصديق وإنما يقابل بالكفر .. والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك لكان كفرًا أعظم، فعلم أن الإيمان ليس التصديق فقط ولا الكفر التكذيب فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبًا ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب، فكذلك الإيمان يكون تصديقًا وموافقة وموالاة وانقيادًا ولا يكون مجرد التصديق". شرح الطحاوية ص 243.
ويقول الإمام الطحاوي في المتن:"وأهله - أي أهل الإيمان - في أصله سواء"أي متفقون على أصله المنجي من الخلود في النار الموقع خلافه في الكفر، فالمحصلة إذن واحدة والخلاف وإن كان لفظيًا .. أو خلافًا في النظر كما يرى صاحب الفيض - فالاتفاق حاصل فيما هو مدار النجاة من الكفر، وترتب الثواب والعقاب حسب إتيان الأعمال أو تركها متفق عليه بينهم، والأعمال المكفرة والتي تعرف بها انخرام الأصل وسقوط عقد القلب محددة في مذاهبهم، بل إن الأحناف توسعوا في دلالات الكفر بالأعمال عن سائر المذاهب، كما ذكرنا من قبل، وأما أن يقال إن الإيمان هو التصديق ثم يقابل التصديق بالتكذيب فيكون الكفر هو التكذيب فقط، فذلك ما لم يقله أحد من أئمة السنة لا الأحناف ولا غيرهم، بل إن هذا هو محور بدعة الإرجاء المذمومة كما سنبين بعد إن شاء الله تعالى، كذلك أن يقال إن إخراج الأعمال من مسمى الإيمان يعني عدم حدوث أو ترتب الكفر على