عمل من الأعمال فهذا خلاف ما ذهب إليه جميع أهل السنة - بما فيهم الحنفية - بل إن قائل ذلك قد اضطرب فهمه عامة سواء في مفهوم الأحناف للإيمان أو في مفهوم بقية أئمة السنة فيه، كذلك اضطرب في مفهوم الكفر العملي والاعتقادي ومجالهما كما سنبين بعد. ومما يجدر هنا، أن ننقل أثرًا رواه ابن أبي العز في شرحه على الطحاوية يفيد تردد أبي حنيفة في قوله في الإيمان، قال:"إن حماد بن زيد كما روى له حديث أي الإسلام أفضل. الخ قال له: ألا نراه يقول أي الإسلام أفضل؟ قال الإيمان ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان؟ فسكت أبوحنيفة فقال بعض أصحابه:"ألا نجيبه يا أبا حنيفة قال: بم أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"شرح الطحاوية ص 253."اهـ
التعليقة التاسعة: قال"قرر أيضا أن من أخرج الأعمال من مسمّى الإيمان لم يكفّرهم أحد وقد أخرج من قبل الأحناف العمل من مسمى الإيمان، فلم يكفرهم أحد (يشير إلى قولي) .. وليس بسديد، وإن قاله قبله أبو العباس ابن تيمية وغيره؛ لأن تكفير القائلين بأن الإيمان (قلنا: قصور في الجملة) قول مشهور عن بعض أهل الحديث، ولا ريب أنّه يشمل الحنفية إن لم يكونوا المعنيّين، بل نقل بعض أهل العلم تكفير أهل الحديث للقائلين: أن الإيمان قول، وهم مرجئة الفقهاء ومن قال بقولهم. نعم، كفّرهم الإمام وكيع بن الجرّاح، والحميدي عبد الله بن الزبير، وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري المدني، وابن بطة، والآجري".
ونعود مرة أخرى إلى التنبيه الذي ذكرنا في مقدمة هذا المقال من أنّ"النقولات تخضع عادة لاختيار الناقل، ثم لتحليله وفهمه لما فيها، كما سنرى". فتراه راح يحاول، فاشلًا، أن يثبت أن الآحناف كفارٌ عند عدد من أهل الحديث الذين ذكرهم. وبالطبع تعدى بن تيمية"وغيره"وهم جمهور العلماء من أهل السنة الذين صرحوا بذلك، ولو أنصف لتلا صفحات منهم هم أعلام أخل السنة. أما من نقل عنهم من بعض أكابر، فقد دلّس في نقولاتهم، وحمّلها مذهبه. ونجتزأ هنا بما نقله عن وكيع بن الجراح، قال: قال وكيع"القدرية يقولون: الأمر مستقبل إن الله لم يقدر المصائب والأعمال. والمرجئة يقولون: القول يجزئ من العمل. والجهمية يقولون: المعرفة تجزئ من القول والعمل. وهو كلّه كفر". وقد بيّنا أن ذلك على ما تقوله المرجئة الخالصة، لا الأحناف، فارجع إلى ما قررنا أعلاه لتعرف قدر التحريف في هذا القول، بل والظاهرية في فهمه. وهكذا الحال في بقية ما نقل، فلا نشغل أنفسنا به كثيرًا.
التعليقة العاشرة: وأسماها"الجواب عن الإشكالية في موقف النجديين من الجاهل المشرك". وقد حاول فيها أن يثبت أن في النصوص المنقولة جطأ مطبعي! وهذا أضعف ما يمكن لباحث أن يتوسل به إلى مراد. ويكفي أن نعلق على ما نقله عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن قال"والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها، قال في بعض رسائله: وإذا كنا لا نقاتل من يعبد قبة الكواز حتى نتقدم بدعوته إلى إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمنًا موحدًا؟ وقال: وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور"منهاج التأسيس والتقديس 76. ثم قال"قال الفقي في الحاشية رحمه الله تعليقا على الجملة الأخيرة فيما يظهر: «كان في العبارة تحريف غيّر معناها عما نعرف من عقيدة الشيخ لسقم طبع النسخة وكثرة تحريفها فصححناها بمراجعة رسائله والله أعلم"ويرى القارئ أنّ الشيخ الفقي قرر أن الخكأ قد تصحح بالفعل وأنّ الجملة المثبتة هي الصحيحية! واعترف الباحث بأن ذلك لا يزيد الطين إلا بلة! فلم تلجأ إلى هذا المسرب الضيق إذن؟
ثم قال"فإن قيل: ما وجه التكفير من وجه والنفي من جهة أخرى؟ أجيب: يمكن أن يندرج هذا في قاعدة تبعّض الأحكام، أو الحكم بين حكمين، وذلك أن يكون الفرع يأخذ مشابهة من أصول متعددة فيعطى أحكاما مختلفة ولا يمحّض لأحد الأصول وبيانه:"