ولا نعني بذلك نبذ أي شكلٍ من أشكال الجهاد اليوم، فكلها مطروحة في مواضعها التي تصلح لها، بل نشرح آلية الدعوة بكافة مراحلها، كما سردها سيد المرسلين، في سيرته وسنته. ومن ثم، يمكن ترسّم خطاها، مع الاجتهاد فيما طرأ من تغيرات تستلزم الاجتهاد من العلماء. ونوجه النظر إلى أنّ إتاحة البيئة الحاضنة هو العامل الأهم فيمن فهم عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، ولا يجب تجنبها وتخطيها، ففي ذلك الفشل كله.
وما قلت، فإنني أحسب أنّ"القاعدة"قد أدركت هذا البعد الأساسيّ الخطير، فبارك أميرها أسامة بن لادن رحمه الله الثورات العربية، رغم اختلاط مواردها ومشاربها، كما سار على نهجه أميرها الحالي، د أيمن الظواهري حفظه الله، فتحدث عن ضرورة إدماج الشعوب في عملية التغيير، والاعتناء بشرح أهداف العمليات ضد الأنظمة بما يجعلها مبررة أمام الشعوب، نظرًا لحجم التضليل العائل الواقع من جهة الإعلام، ومن ضرورة كسب التعاطف، ومن ثم الولاء من أبناء تلك الشعوب. وما أحسب إلا أنّ اتجاه القاعدة اليوم يسير في طريق مناهضة الأنظمة القائمة، بدلا عن مهاجمة المصالح الغربية بصورة عشوائية، لا تُنتج إلا تشويهًا ولا ينشأ عنها إلا تأجيجًا. وما أرى إلا أن تعبير"قاعدة الجهاد العالمي"تتحول إلى معنى للعالمية خلاف ما كانت عليه، من إنها لا تحارب"العالم"، بل إن عالميتها في أنّ نشاطها يقع خارج النطاق المحليّ في الحدود المرسمة للدول الإسلامية، لكن في نطاقها.
والحق، أن هناك جماعات ثلاث خالفت في تطبيقها هذا التوجه العام لدى الحركات الإسلامية، وإن لم تصل إلى مرحلة التطوير التام بين"النزّاع"وبين"القبائل"، جماعة الإخوان، وجبهة النصرة، وتنظيم الحرورية العوادية.
أمّا عن جماعة الإخوان، فإن إيمانهم بالنهج الديموقراطيّ، ونبذهم التام لحمل السلاح، واستعدادهم الدائم المستمر للمشاركة لا المغالبة، في الإطار السياسيّ القائم، جعلهم أقرب إلى فئات الشعب، وأكثر التحامًا بها. ومن ثم كثُر متابعوهم والمتعاطفون معهم، وإن كانوا، ولا يزالوا يعملون بعقلية"النزّاع"، فمن هم موالون للجماعة هم الأصل، بمبدأ الولاء مقدم على الكفاءة.
ثم جاءت جبهة النصرة، والتي نهَجت منهجًا جهاديًا مسلحًا، بعد أن سارت الحركة الشعبية في سوريا ضد بشار وجماعته المجرمة النصيرية، وفشلت في إسقاط هذا النظام الوحشي العميل. وقد نحت جبهة النصرة بقيادة أبي محمد الجولانيّ، وصحبته كأبي ماريا القحطاني ود سامي العريدي، والمخلصين من الأحرار وغيرهم، والمستقلين كالشيخ أبي عبد الله المحيسني، منحى يقرب مما نتحدث عنه، إذ نجحوا في التغلغل بين أوساط الشعب السوري، ويتقربوا للمسلم العاديّ العام، مما جعل الجبهة تكتسب توسعا كبيرًا في الأفراد والأراضي. وهو ما أسال لعاب طائفة الحرورية، كما كتبنا من قبل.
أمّا عن تنظيم الدولة الحرورية، فقد ساروا في حركتهم لونًا من هذا، من حيث التوسع في الدعاية الالكترونية، فنجحت في توفير"حاضنة الكترونية"، مما أدى إلى لون من التغلغل الشعبيّ بين أوساط العامة. لكن الفارق هنا هو أن أفعال تلك الجماعة أفسدت عليهم تلك المصداقية، بقتلهم المسلمين، وكذبهم الدائم واستحلالهم للدماء، فلم تغن عنهم الحملة الالكترونية، إلا في جذب عدد كبير من الشباب الصغير عقلا وعلمًا، المتورم حماسًا وخيلاءً. وهذا ليس مما نحن فيه من محاولة إيجاد مخرج من الأزمة، التي هم، في حقيقة الأمر، أحد أركانها.
يتبع إن شاء الله
د طارق عبد الحليم