فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 721

إلا ما كان من تحفظ الجولاني وأبو ماريا عليه. وهذا يبين الخطا الأول في تصرفات هذا التنظيم، وهو خلل عقدي أصيل، واتباع أجندة بعثية للإستفادة من خبرتها القتالية والعسكرية، التي بدونها لم يكن لابن عواد أملٌ أن يتمدد شبرًا خارج مركزه في العراق.

والخلل الثاني يأتي من قبيل التحدى الظاهر للمحيط العربيّ، وللقوة العالمية. فنحن لا نرى ذلك نتيجة شجاعة أو بطولة أو إسلام، بل نراه أقرب إلى تحقيق أجندة معينة، تسعى إلى جرّ المنطقة كلها إلى أتون جديد من حرب ضروس، تتدخل فيها القوى العالمية والمحلية كلها للقضاء على الجهاد السنيّ في العراق والشام. وما أحاديث الخوف الخليجي والغربي من"الدولة الإسلامية"إلا من قبيل دعاية أمريكا من قبل عن قوة الجيش العراقي أيام صدام، والذي أبرزته كخامس جيش في العالم!، ثم سحقته في أسبوع واحد! لكن شتان بين قوة جيش صدام، وقوة عصائب ابن عواد، ومن ثمّ، نرى مبرر الفارق بين التكتل الدولي المحدود، الذي قامت به أمريكا هذا الأسبوع في مؤتمرها الأخير، عن ذلك التكتل الواسع أيام صدام، لعدم الحاجة إلى مثل هذا التوسع في التكتل المطلوب.

وقد رأينا كيف حوّلت أمريكا والغرب عامة، الثورات العربية إلى كوارث عربية حملت لواء العلمانية في الدول الثائرة الثلاث، تونس ومصر وليبيا، دون أن تظهر لها يدًا واضحة في هذا المسار. بل العكس، كانت تظهر بمظهر المؤيد لحقوق الشعوب في ثورتها على الديكتاتورية الفاشية، ودعوتها للديموقراطية الغربية العادلة!

ولا نشك اليوم، أن يد العبث الصهيو-صليبيّ، قد أتاحت الفرصة لهذا التنظيم أن يتورم في العراق، ثم في الشام خاصة، تماما كما فعلت الولايات المتحدة، حين سمحت من قبل لصدام حسين بالتورم إلى الكويت، ليسهل عليها غزو العراق واكتساحها والرمي بالمنطقة كلها في أتون فتن لا حد لها. والخطأ الأصيل هنا أن يعتقد أحدٌ أن الولايات المتحدة تريد استقرارًا في المنظقة, هذا ليس في مصلحتها بأي شكلٍ من الأشكال، إلا إن سيطرت عملاؤها على الوضع بقوة وبلا ثورات وقلاقل، كما في مصر اليوم، وإلا الفتن والحروب التي هي مذكية لنارها ومصدّرة لوقودها.

ومن ثم فإن الخطر الداعشي الحروري يأتي أساسا من الأجندة الخارجية التي تعبث بتوجهاته وتستخدمه مطية للهولوكوست السنية. لذلك فإننا لا نرى أنّ قصة الصحافيين الذبيحين هي من السذاجة التي تظهر على السطح، من إظهار قوة داعش أو إخافة أمريكا، فوالله لا ينحى هذا المنحى طفل مصاب بمرض التخلف العقليّ! فالمعلوم لكل من له ذرة عقل ما سيكون من ردة فعل أمريكا في هذا الصدد، بل نحسب أنّ هذا الذبح إما مسرحية تصويرية، أو أمرٌ مُرتب مع قوى الصهيو-صليبية في غفلة من أهل الصحفيين، وأمريكا لا تتورع عن قتل مواطنيها"للصالح القومي"! فالأمر أمر شرارة البدء في الزحف الغربيّ الجديد، للقضاء على الجهاد السني عامة وعلى جهاد أهل الشام خاصة، بعد أن تولت جماعة بن عواد"العراقيّ"ذبح أهل الشام ومجاهديهم. ومن ثم، يبدأ العدّ التنازليّ للقضاء على البقية الباقية منه، ثم القضاء على التنظيم الوسيط الحروريّ ذاته، إو إبقاءه على قيد الحياة، بمكنة التنفس الصناعيّ، كفزاعة لمن حوله.

أمر ظاهرة داعشٍ هو أمر تكتلٍ علماني بعثي، استخدم خلل عقدي قائم ورغبة في التسلط متمكِنة، من رائهما زخم إيمانيّ منحرف التوجه لدى قاعدة شبابية، لإعادة تشكيل المنطقة، بعد القضاء التام على مجاهدي السنة، ثم إنهاك مجاهدي الحرورية العميلة، وتمكين قوى بعثية أن تأخذ مكانًا فقدته بفقد صدام حسين، وتؤدى من خلاله ضريبة وقوفها ضد الغرب في حربه التي جروه اليها بتورمه إلى الكويت دون ملاحظة الأخطار والمزالق في مثل هذا التورم، والذى دفع ثمنه حياته وحياة أبنائه ودولته بكاملها، عليه من الله ما يستحق. وهو، كما نحسب، مصير إبراهيم بن عواد وبطانته القريبة، ولكنه غافل عن ذلك، لا يزال.

د طارق عبد الحليم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت