فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 721

ظنه القتل، أو تمنى الشهادة كما في هذا الحديث بالذات، وهو باب آخر واتجاه آخر لا يصح خلطه هنا بما قصده الكاتب، أن يطلب أحد الشهادة، فيقاتل ويستبسل في القتال، بالطرق العادية، حتى يُقتل، فإنه إن غادر قبلها بقليل لم يقتل مثلًا، وقد يمر اليوم بطوله فلا يقتل، فالتيقن بالقتل هنا غير حاصل، ولا يمكن الجزم به مهما حاول الأخ إثباته.

ويحمل على ذلك كافة ما نقل الأخ مثل حكاية ألب أرسلان وحكاية بسر بن أرطأة وكافة ما حشد هناك. ولا أدرى والله ما عنى هذا الحشد كله من النقولات، وهو لا يغنى عنه شيئًا، إلا إيهام القارئ بصحة القصد من النقل.

ثم في الباب الذي أشرنا اليه، سار الأخ مثل سيره فيما سبق فاستدل بما لا دلالة فيه. مثال ذلك، ما روى عن حكاية عبد الله ابن الزبير، حين تصارع مع مالك بن الأشتر، فقال بن الزبير"اقتلوني ومالكًا". وقد اتخذها الأخ دليلًا قويا على أنه يمكن أن يقدم الإنسان على قتل نفسه لنصرة الدين. قال"فقد تقدم هذا الفارس الشجاع بنفسه الكريمة مع علمه أنه مقتول، ولم ينكر عليه أحد ذلك، مع علمهم أيضا أنه مقتول ولا بد وتحذيرهم إياه من القتل، وذلك لأنه قدم نفسه في سبيل الله عز وجل وليفتح للمسلمين". والأمر هنا ليس بهذه البساطة التي صوّرها الكاتب. فإنه يقال أولًا أنّ ابن الزبير والأشتر قد كانا يتصارعان بالأيدي، ولم يكن من الممكن أن ينفذ المسلمون اليه إلا وهم يضعون حياة ابن الزبير في خطرٍ شديدٍ، وهو خلاف الصورة التي عليها العمليات الاستشهادية اليوم، من حيث أن ابن الزبير لم يقصد أنه"احملوا علينا جميعا، فاقتلونا نحن الاثنين حتى لو تمكنتم من قتل الأشتر وحده فلا تتركوني حيّا بل اقتلوني كذلك"! هذا فهم لا يستقيم لعاقل. بل كلمة ابن الزبير تدل على الغاية، لا غير ذلك، بمعنى أنه"حتى لو أدى الأمر إلى أن تقتلوني معه فافعلوا"وشتان بين القصدين. وأين هذا ممن يلف نفسه بحزام ناسف، متيقنًا يقينًا جازمًا لا ظنّ فيه ولا احتمال، أنه مقتول لتوه، دون حتى دون أن يرى أثر عمله فيمن انغمس فيهم، وهل حدثت النكاية أم لا، وهو ما ذكره العلماء من إنه يجب أن يظن حدوث النكاية، ونضيف هنا أنه يراها رأي العين قبل أن يموت. كذلك فإن أمر منع الوصول إلى جمل عائشة رضى الله عنها هو من أعلى الحاجيات التي باب حفظ الدين، إن لم يكن في الضرورات منها وقتها، فهي أم المؤمنين وحبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل بيته، فكيف يقارن هذا بما هو في باب أقل من هذه الرتبة عشرات المرات.

ثم روايته لحديث سلمة بن الأكوع في مسلم، وتعليقه عليه بقوله"وفي هذا الحديث؛ مدح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فعل سلمة، ولم ينكر عليه قتاله القوم وحده والغزو دون إذنه، وكذلك لم ينكر على الأخرم قتاله للقوم وحده، فدل ذلك على جواز الغزو بدون إذن الإمام، وعلى جواز حمل الواحد على العدو بدون ضرورة مع الفارق الكبير في العدد والعدة"ومن يخالف في هذا؟ لكن ما هي دلالته على ما نحن فيه؟ فهو استدلال بغير دليل، بلا شك.

وهكذا في كلّ ما نقل الأخ في بحثه، لو تتبعناه كله، ما فعلنا سوى نقل كافة نقولاته، وأجرينا عليها ذات المقياس، وخرجنا بذات النتيجة، وهي أنه لم يثبت ما قصد اليه. أمّأ عما نراه نحن في هذا الموضع فله مقام آخر إن شاء الله تعالى.

والله المستعان

د طارق عبد الحليم

6 ذو الحجة 1435 - 30 سبتمبر 2014

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت