فأولا، يجب أن ندرك القاعدة الكلية"أنّ حكم الوسائل هو حكم المقاصد"، أي إن كان أمرٌ يؤدى إلى حرام فهو حرام، وهو أصل مبدأ سدّ الذريعة. لكن يعارض ذلك القاعدة الفقهية الكلية"يُغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد" [1] ، وهذا التعارض ظاهريّ، إذ الأول معنيّ بمآل المقصد ذاته، والثاني يُعنى بمآل الوسيلة. والمقصد لا يمكن تغييره حالًا ولا مآلًا، فما قُصد به عبادة الله كالصلاة لا يمكن أن يُوجه توجيها آخر وإلا كان باطلًا ونفاقًا، لكن الوسيلة قد يُأخذ بها لما قد تؤدى اليه من مقصد شرعيّ خفيّ مثل تطبب المرأة لدى طبيب ذكر، فالقصد هو تطبيب المرأة والوسيلة، التي هي حرام أصلًا، تحلّ للحاجة اليها، عند عدم وجود طبيبة أنثى. فالشرط هنا هو عدم وجود البديل مما يجعل الوسيلة مغتفرة، لا إنها تغتفر على وجه الدوام. والبديل الشرعي باختيار أهل الحلّ والعقد متاح، بل أبسط من الانتخابات التي لا معنى لها أصلًا. فلا محل للعدول عنها إلى غيرها.
والكامة الكبرى حين يكون تبني هذه الوسيلة لإقتاع الغرب بأننا عصريون حضاريون موافقون لهم في سبلهم ووسائلهم! فهذا أولا في غاية السذاجة إذ هم ليسوا بهذا الغباء، بل القائل يبهذا هو الغبي الحقيقي. ثم إنهم لن يقبلوا أن يقفوا عند حدٍ وسيخلعوا من سار في دربهم ولو قراريط، ومن خطا خطوة سهل عليه عشرات بعدها.
والشكل الديموقراطيّ يعاكس الشكل الإسلامي، قصدًا ووسيلة، إلا في تفاصيل قليلة محصورة في موضع الوظائف التنفيذية. فإن مرتكز الديموقراكية هو"البرلمان"ومرتكز النظام الإسلامي"هو مجلس الشورة"أي"أهل الحل والعقد". ووسيلة الديموقراطية إلى البرلمان هي اخيار الشعب لأفراده. ووسيلة الإسلام إلى اختيار أهل الحلّ والعقد هي اختيار مخصوص يتفق عليه كبراء الأمة، دون عوامها، لشخصيات عُرف عنها العلم بنوعيه الشرعي والدنيوي والتقوى والإلمام بالواقع والعفة والعدل والمروءة. والبرلمان يحناج إلى عدد يتجاوز الثلاثمائة ويصل إلى الخمسمائة في بعض الأحيان، حتى يضمن تمثيل كل العامة، وأهل الحلّ والعقد لا يُتصور أن يُحتاج إلى ما بين مسة عشر إلى ثلاثين عضوا على أكثر تقدير. إذ الأمر عهنا ليس شرائح مجتمعية، بل تعدد وجهات النظر الشرعية داخل إطار الشريعة، وهو ما لا يمكن أن يتجاوز الثلاثين باي حال!
هذا من ناحية التطبيق، ثم إنّ قول القائل"إن الشعب يستختار حكومته"يدل على عدم خبرة في طرق الحكم وتفصيلها. فإن هذا ينافي النظام الديموقراطي ذاته. فالشعب في النظام ال\يموقراكي لا ينتخب حكومته، بل ينتخب رئيس حكومته، الذي يعيّن بدوره أفراد حكومته، من داخل حزبه، أو تياره الفكريّ. وفي الإسلام، يرشح أهل الحل والعقد من يرونه أهلا لمنصب الإمارة أو الرئاسة أو ما شئت من أسماء، ثم يقوم الرئيس أو الأمير بتعيين من يراهم أنسب للوظائف التنفيذية في حكومته. هذا هو الوضع على حقيقته. فالتشابه واقع في الشكل، جدُّ مختلفٍ في الحقيقة.
ثم أمر المصلحة التي يتحدث عنها بعض الخائضين في الأمر الشاميّ، من أهل الوسط بين السنة والبدعة، من إن الديموقراطية هي وسيلة مؤقتة للاستقرار، يتلوها تبنّي الشكل الإسلاميّ بعد فترة استقرار يتاح فيها للإسلاميين التمكن والدعوة وتثبيت الأركان، هي دعوى فاشلة من أي اتجاه نظرت اليها. فمن قال إن الاستقرار في ظل الديموقراطية المزعومة سيتيح الدعوة وتثبيت أركان الإسلاميين؟ بالعكس، ففي الوقت الذي يعمل فيه الإسلاميون على تثبيت
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 158 قاعدة 37. طبعة دار الكتب العلمية.