يحمى أبناء حركته في العراق، ويقتل مجاهدي أهل الشام مهد الحركة السنية. فكانت الحركة الحرورية لحْدًا للحركة السُّنية في الشام، بعد أن كانت الشام مَهْدًا لها.
لكن هؤلاء الحرورية إلى زوالٍ أكيد، فهم، كما وصفهم أبا قتادة الفلسطيني فك الله أسره، فقاعة، تضخمت لفترة محدودة، وتُركت تتورم لثلاثة أهداف محددة، أولها تبديد أي حبٍ للإسلام والخلافة في نفوس زراري المسلمين في البقع التي حكمها الإسلام يومًا، وثانيها القضاء على مجاهدي السنة ووأد حركتهم في مهدها، وثالثها إعطاء المبرر كاملًا للغرب ليضرب ضربته الساحقة في العراق الشام، والتي لم ينفع فيهما تكتيك مصر وتونس.
المشكلة التي يجب أن نعيها كدرسٍ واضح هنا، في كل تلك البلاد، هو أنّ الحركة الإسلامية التي تنشد نجاحًا يجب أن تنشأ من رحم شعبٍ مسلمٍ غير مُخلطٍ، يحتضنها ويكون لها درعًا وردءًا، تماما كما كان شعب المدينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتبع خطة"النزّاع من القبائل"لضرب الكفر في مكة، بل وجد الحاضنة الشعبية المؤمنة إيمانا صافيًا، ثم استخدم منها من هم أهل الجهاد والمجالدة.
لم يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة"منطق الجماعات والحركات، المنفصلة عن أصلها وقاعدتها. بل أحسب أن"قاعدة الجهاد"قد أدركت هذا في السنين الأخيرة قبل استشهاد الشيخ أسامة رحمه الله، لذلك رَحب في خطبه بالثورات العربية، وأعلن عن ضرورة تكوين مجالس استشارية لتوعية الشعوب، وتخليصها من شوائب الكفر التي طغت على أصل فطرتها، فلله دره، وعلي الله أجره. كما أنّ الشيخ المفضال د أيمن الظواهري، حفظه الله، قد وجّه"الحركات"إلى هذا التوجه، وبيّن ضرورة شرح العمليات التي قد تقوم بها للناس، حتى لا يُخدعوا عن الحقيقة، وما ذلك إلا لكسب حاضنة تكون هي البديل للجماعات والحركات، التي قد رأينا في العقود الأخيرة، كيف أنّ انفصالها عن الشعوب جرّدها من ذخيرتها المكنونة."
وهذا الفهم، على سبيل المثال، هو ما أخطأته جماعة أخرى، هي حزب التحرير، حين سعت للسؤال عن الدعم من حكام، هم أصلًا مرتدين، يعتقدون أنّ ذلك يحول الشعب إلى حاضنة، وهذا تغفيل من أكبر الحمق، وهو نتيجة ومثال آخر لتحكيم العقل المغفل في الشرع.
إذن، فإننا نرى أنّ القاعدة قد عدلت في استراتيجيتها الحركية العامة مؤخرًا، مما تمثل في خطب الشيخ أسامة، وفي خطب الشيخ الظواهري حاليًا، مع الاحتفاظ بتوجهها العقدي وثوابتها التي لا تتزعزع، وأن هذا التعديل جاء من تراكم خبراتها في الساحة مدة ثلاثة عقود، يقودها عقول عالمة وأنفس طاهرة. وقد نكست الأمة بأن ظهرت عقول جاهلة وأنفس خبيثة وعقيدة بدعية، فلم تستوعب دروس الأمس، وكيف تستوعبها وليست من جهادها في شئ، لا علمًا ولا عملًا؟ فأعاد، بن عواد وأتباعه، بزوغ التوجّه الاستراتيجي الجديد لدى القاعدة عقودا للوراء، بجهل وخسة وظلم، وأدخل الأمة في صراع لا نحسبها قادرة على كسبه اليوم، إلا أن يشاء ربي شيئًا.
وهذا النصر لا يكون، فيما نحسب إلا بطريقين، لا ثالث لهما، أولهما القضاء على التوجّه والوجود الحروري بالكلية، وثانيهما اتحاد فصائل السنة لمواجهة العدو المشترك الصائل، صليبيًا كان أو رافضيًا أو نصيريًا أو علمانيًا، وكفانا من حدث من تآمر في صنعاء!
د طارق عبد الحليم
27 ذو القعدة 1435 - 21 سبتمبر 2014