فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 721

وكان من جرّاء الإحباط الشديد لدى أبناء السنة، من محبي الإسلام، الراغبين في تطبيقه، أن توجه عدد منهم إلى الغلو المفرط، فوقعوا في شباك الحرورية، ووجدوا في دعاتها ما يخدم تصوراتهم الطفولية البدائية، فارتموا في أحضان من لم يرحمهم ولم يرحم الأمة. وهؤلاء رفضوا"المرونة"أصلًا، بأي مفهوم لها، وأي درجة من درجاتها.

لكن في مقابل هؤلاء، وبدافعٍ من نفس الشعور بالإحباط، صارت تصورات البعض من هؤلاء من محبي الإسلام، الراغبين في تطبيقه، تتحول من الوسطية في التصور، إلى تبنّى"المرونة"الإخوانية السرورية، في محاولة للوصول إلى حلّ يخرج بهم من أزمة لم تسعفهم فيها"الوسطية السنية"كما عُرضت عليهم أولًا، ومن حيث غاب تطبيقها على الأرض، بما يرضيهم عقلًا وقلبًا.

فكان من الضروري أن نتعرض لمفهوم"المرونة"ومحاولة وضع أسس لدرجاتها، حتى لا تتحول إلى"رمال متحركة"تنسحب فيها أقدام، ساقتها تعاسة واقعها إلى حيث تغرقها في خطأ التصور والتصرف، بكلّ قسوة وعنف.

قلنا إن الطريق التي يجب على مسلم، في محلّ القرار، أن يتبعها، أو بتعبير شرعي"الفتوى"، تشمل تحديد حكم شرعي، وتوصيف واقع عالمي.

أمّا الحكم الشرعيّ، فهو مجال العلماء الربانيين، الذين إن عُرض عليهم واقع ما، دلّوا على الحكم الشرعيّ الملائم لاعتباره في الفتوى، وأقاموا عليه الدليل الشرعيّ، النصي أو الاجتهاديّ حسب المسألة. وهذا مجاله بحث آخر في موضعٍ آخر.

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الناظرين في الأدلة الشرعية صنفان، صنف يأخذها لتهديه إلى ما هو حقٌ في مناسبتها، وهو مذهب الافتقار، وصنف يستدل بها على ما تقرر في ذهنه من قبل النظر وهو مذهب الاستظهار، على ما وسمهما به الشاطبي.

أما هؤلاء الذين يعرضون الواقع ويفصّلونه، من قيادات أو سياسيين، فهم يقومون بعملٍ مزدوجٍ، وهما شقيّ الواقع العالمي الثابت الذي يجب التعامل معه ويشارك العلماء في هذا الشق، والثاني واقع الجماعة المسلمة المحليّ الذي تنطلق منه للتعامل مع ذلك الواقع الأكبر، وهو موكول اليهم خاصة.

فالعالِم، يمكنه، بل يلزم له، أن يكون على بينة من أوضاع عالمه الذي يعيش فيه، وبدرجة عالية من الوضوح، حتى يمكنه أن يجد الحكم الملائم، وأن يطبق الدليل النصيّ أو الاجتهاديّ. والقائد أو الأمير أو السياسي أو المسؤول، سمه ما شئت، يجب أن يكون على بينة من واقعه المحلي بأدق صورة ممكنة، ليمكن أن يرى محله من الحكم الشرعيّ الصادر من عالمٍ، والواقع العالمي، ومن ثم، يتبنى الفتوى على أساس العلم والصواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت