فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 721

والحق، أن"المرونة"في التعامل مع الواقع، تعتمد على التصور العقديّ للناظر أولًا، وعلى صنفه، افتقارًا أو استظهارًا، وهواه الشخصيّ وطموحاته، ومدى علمه إن كان معدودا من العلماء، أو تسوّره وتعديه على العلم إن لم يكن.

ومصدر"المرونة"عادة يأتي من ثلاث توجهات مختلفة:

أولها: أن يكون الناظر متجردًا عن الهوى، ناظرا للدليل نظرة إفتقار، فاهمًا للواقع الدوليّ والمحليّ. فهذا تكون مرونته في حدود الشرع الحنيف، سواء سماها من يعارضه مرونة أو تشددًا، فهما يستويان عنده. وهذه المرونة تكون في صلب الشريعة أصلًا، من حيث الآيات"ما جعل عليكم في الدين من حرج"، و"إن بعد العسر يسرا"، و"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها"، والقواعد"المشقة تجلب التيسير"ومثلها.

والثانية: ما يبدأ بالهوى، ومن ثمّ يكون الناظر مستظهرًا بالدليل على ما يريد، وما يراه حقًا، رغم علمه بما عليه الحق، وهؤلاء أصنافهم كثيرة في علماء السلاطين، ودعاة الهوى.

والثالثة: ما يبدأ بانحراف عقديّ، نتيجة فقر في النظر أو السقوط في شراك بدعة، أو الاحباط من واقع، فيرجع الأخذ بالدليل إلى الاستظهار على ما يريد والاستشهاد به عليه، وإن انخدع بالهوى، وأعتقد صحة رأيه، فأضله وأعماه. وقد يقود هذا الصنف صاحبه إلى تأويل التاريخ نفسه والانحراف به، ليناسب فهما محببًا إلى نفسه، مستقرًا في عقله، الذي كثيرًا ما يطلق عليه"العقل"بأل التعريف!، وأمثلة ذلك لا تُحصى في أصناف الفرق المعاصرة، وفي أنصارها، سواء العلمانية أو البدعية، القاعدين منهم والمحاربين.

ومن أصعب الأمور الكشف عن مصدر"المرونة"خاصة في التوجه الثالث، إذ لا يرى"المَرِنُ"من الدليل إلا ما يريد أن يرى، مع بعض إخلاص أصليّ في العقيدة. لكنك تراها عادة فيمن تبدلت مواقفهم، فهم مترددون متذبذبون، كانوا، ثم أصبحوا .. !

ما هي المرونة في الشريعة الإسلامية:

وهو السؤال المحوريّ في هذه الدراسة، أهُناك في الشريعة"مرونة"، وهو ما يستدعى أن يكون فيها تصلبا وتشددًا؟ الحق، أنّ هذا التعبير غير دقيق على الإطلاق. الشريعة فيها الأخذ بالأيسر وتجنب جلب المشاق التي لا حاجة لها، أو التي هي فوق المعتاد. لا أكثر من هذا.

وهذه المعاني قد تمهدت في أصول الفقه، بناءً على نصوص وكليات شرعية ثابتة لا خلاف عليها، ومنها باب الرخص وعموم الاستثناءات في الشريعة. وفي البخاري"ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما". وهو من تمام رحمة الله بالعباد. لكن يجب أن يعتبر الناظر أن التيسير هو فيما هو مخيّر فيه ابتداءً، أي بين أمرين ثبت صحتهما شرعًا، فللناظر أن يختار منهما ما هو أيسر له. كذلك يجب أن تُدفع المشقة الزائدة عن التكليف، كمن وُجد لديه ماء بارد ودافئ، وهو في شتاء، فلا يصح له استخدام ما يؤذيه، جلبا للمشقة دون داعٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت