معايير"القوة"اليوم ليست هي معايير"القوة"بالأمس. ومن أشد الخطأ أن نعامل"القوة"ومعاييرها، ومن ثم، النصر وعوامله بنفس المبدأ الذي كان عليه المسلمون في عصر النبوة أو ما بعدها.
لقد رأينا فيما نقله لنا التاريخ، أن انقلاب معايير"القوة"هو ما قضى على الخلافة العثمانية بعد أن ظهر عليهم العدو الأوروبيّ بوسائل لا قبل لهم بها. وهذه سنن لا يمكن أن نلتف حولها، بأي شكلٍ من الأشكال. بل إن العمل من خلالها هو من مستلزمات الإيمان بسنن الله، والعمل بعكسها وافتراض النصر دون اعتبارها هو خلل في الرؤية الإيمانية، أقرب إلى التصوف منه إلى أيّ شئ آخر.
تبدلت معايير القوة، من العدد والشجاعة أساسًا، إلى نوعية التسلح، وتقدمه التقنيّ، وإلى القوة الاستخباراتية وجمع المعلومات، وهو، مرة أخرى، عامل تقنيّ بحت، ثم القوة الإعلامية وأثرها الذي لا يُنكر. ثم ما حدث من صغر رقعة العالم اليوم، على اتساعه بما جدّ من وسائل اتصالات وأقمار صناعية، تنقل الخبر والصور لحظيًا، وتكشف مواقع العمليات العسكرية على شاشات عملاقة تُظهر نوع المشروب الذي يحتسيه جالس على قهوة باليمن في غرفة عمليات بواشنطن! ثم غلى الحزق السياسيّ الذي يخدم القوة العسكرية لا العكس، فكما قلنا من قبل، إن السياسة والعسكرية لا يجتمعان، بداية أولهما نهاية للأخرى، إلا إن تقاربت القوتان المتحاربتان في الساحة القتالية أشد التقارب.
إن من لا يدرك أبعاد"القوة"اليوم، لن يقدر على مواجهتها. بل سيلعب به أصحابها، ويجندونه لأغراضهم، ثم يقضون عليه، حين تتم مهمته. وهي ما نراه اليوم في حالة تنظيم"الدولة"الذي جندوه ليكون عونا في القضاء على بقية الجماعات، ومنها القاعدة، ثم يكون التعامل معه بعد ذلك سهلٌ ميسور.
ولا يحسبن جاهل إننا نلقى باليأس في قلوب المسلمين، ولا يحسبن غِرٌ إننا لا نضع نصر الله وقوة الإيمان في المعادلة الصعبة. لكن السُنة علمتنا الربط بين الأسباب والمسبَبَات، إلا في حالة المعجزات والكرامات. فعلى هذا بنى الله سننه الكونية. ومن لم يفعل ذلك كان أشعريّ أو صوفيّ أيهما يختار. وقد بيّنا ذلك في بحث مطوّل بعنوان"مفهوم السببية عند أهل السنة" [1] .
لقد كسب أهل أحد المعركة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا اخْتلّ معيار القوة وعواملها، بسبب مجموعة لم تتبع قوله صلى الله عليه وسلم. فأن يفترض أحدٌ أنّ المسلمين مضمون لهم النصر مهما كان إعدادهم أو تهيأهم للمعركة، ومهما كانت طبيعة القوة السائدة في العصر، لهو ساذج غرٌ لا يعرف معنى التوحيد، ولا يفرق بين السنن الكونية والشرعية، في تسيير حياة البشر.
كما أننا لا نقول بأنه من الواجب أن يتحصل المسلمون على تلك التقنية وهذا النوع من القوة لمواجهة النظم المرتدة، ودفع الصائل. فإن دفع الصائل، له معادلات تختلف عن غيرها، مما يستشهد به الأغرار من انتصارات المسلمين في الفتوحات. فإن الأرض تدافع عن أصحابها بلا شك. لكنّ ذلك لا يلغي قيمة التفوق التقني الهائل، وعدم التكافؤ الرهيب بين المسلمين وبين القوى الصائلة من الأنظمة ومعها.
(1) نشرت عام 1986 في مجلة البيان اللندنية في ثلاثة أجزاء http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-75، http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-76، http://tariqabdelhaleem.net/new/Artical-77