ومن ثم، تضاعفت، بسبب تلك الجماعة المارقة، الهوة بين العلماء والدهماء، وزادت نسبة الجهل من حيث إن الجهال الذين أشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الآنف الذكر، لم يقتصروا على الرؤوس، بل أصبحت الدهماء ذاتها رؤوسًا جهالًا، فعم الجهل وطمّ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(2) الدهماء والتكفير
من هنا، نأخذ في الحديث عن مظاهر المصيبة التي أودت بنا إلى هذا القاع المنحط في العلاقة بين العلماء والدهماء، وسيطرة الدهماء والجهلة على الساحة العلمية - أو الجهلية إن شئت دقة الوصف. ونحن نحسب إنها قد ظهرت، وآتت أكلها في موضع"التكفير". وهو موضوع اشتبه على الكثير موقعه من العلم، من حيث هو أمرٌ عقديّ أو أمرٌ فقهيّ.
وهذه النقطة الأخيرة في غاية من الأهمية، إذ إن اعتبار موضوع"التكفير"أمرٌ عقديّ يجعله من الأمور التي تهم كلّ مسلم، بل هي من واجبات المسلم العقدية أن يحدد الكفر والإسلام، لا من حيث عمومياته، بل من حيث مناطاته وخصوصياته.
والحق إن موضوع"التكفير"فيه جانبٌ عقديّ، هو ما يتعلق بعموماته، وجانبٌ فقهي، وهو المتعلق بمناطاته وخصوصياته.
فأما الجانب العقديّ، فإن وضع حدّه يرجع للعلماء المعتبرين، الذين بينوا قواعد الإيمان وأصول التوحيد على مرّ القرون، والإيمان به، في عموماته، جزء من إيمان المرء وتوحيده. لكن مع وجوب أن يعرف المرء التوحيد أولًا حتى يعرف ضده ونواقضه. فالإيمان بكفر كلّ من ليس على دين الإسلام عقيدة واجبة، وأنّ المسلم قد ترتد بقولٍ أو فعلٍ، فليس نطق الشهادتين بحرز مطلق من الردة. وأن هناك نواقض قطعية للإسلام تُخرج المرء من دين الله، قد بينها العلماء، على العموم والاطلاق، لا على الخصوص والتعيين. ومن ذلك قول الله تعالى"ومن يتولهم منكم فإنه منهم"وهو يعنى أنّ المسلم يجب أن يعتقد، إجمالًا، إن موالاة المشرك كفرٌ. أو قوله تعالى"إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ"فاطر 14، وهو ما يعنى أنّ الدعاء لغير الله شرك منصوص عليه، أو قوله تعالى"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون"المائدة 44، وهو ما يعنى كفر المشرع من دون الله. ثم إنّ معرفة هذه الأمور، على عمومها، واجب على المسلم، وإن لم يكن الجهل بها مكفرًا في ذاته، إلا إن وقع فيها بجهلٍ، فيكون فيه النظر الذي سنتحدث عنه لاحقًا. هذا هو القدر الذي يجب أن يكون جزءًا من عقيدة المسلم العاميّ، لا أكثر ولا أقل. فمن زاد فيه فقد تعدى حدود الله، ومن نقص فيه فقد افترى على الله.
أمّا الجانب الفقهي في مسألة"التكفير"، فهو حقٌ خالصٌ للعلماء، لا يصح أن يدخل فيه العامي من الدهماء بأي شكلٍ أو بأي قدرٍ كان. وهنا حدث الفصام النكد، واختلط العلم بالجهل، وصار ما صار مما يعرفه النظار.
والجانب الفقهي في هذه المسألة هو ما يتعلق بالمناطات والخصوص. وهو إنزال هذه العمومات العقدية التي ذكرنا أمثلة منها، على مناطاتها في الواقع، وهو مجال الفقه، الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضى الله عنهما أن يكون من أهله، فإذا اليوم كل دهماء الأرض، بحسب الحرورية العوادية، هم من أهله!
وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّ حياته النبوية الشريفة بعد الرسالة، ثلاثة وعشرين عاما، في شرح وبيان هذا الجانب للصحابة رضى الله عنهم، وهم نقلوه نصًّا وفهما وتطبيقًا للتابعين ثم تابعيهم. ثلاثة وعشرون عامًا، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين عن ربه، تخصيص العمومات، وبيان المجملات، وتقييد المطلقات، في حياة الناس، بكل نواحيها. وقام من بعده علماء الأمة المجتهدين بمواصلة هذا الجهد، في كلّ باب من أبواب الحياة. هذا هو الفقه، الذي منه موضوع"تكفير"الخلق. وقد سُئل