وتغير النظام العالمي اليوم ليس فقط في تسليحه وتقنيته، بل في تعقيدات اقتصاده وسبل الحركة فيه. فقد رأينا كيف أن ذلك التنظيم العواديّ، حبيسٌ في دائرته التي سُمح له فيها بالتورم، ليس له جواز سفر أو وثيقة هوية يعترف بها أحد. ومن ثم، فهم مجبرون على انتحال صفة دول أخرى"كافرة"ليتحركوا في عالم اليوم.
ومن ثمّ، فإن فكرة إقامة"دولة"وبالأحرى"خلافة"، إلى جانب ما ناقشناه من قبل من تصوراتٍ تتعلق بإقامة دولة الإسلام [1] ، هي أمرٌ يستدعي تدبيرات وتنسيقات بين أصحاب القدرة الشرعية والعسكرية في الكيان السنيّ الحاليّ، أو من نسميهم"أهل الحل والعقد"عن طرق إقامة تلك الدولة حقيقة، لا وهمًا، ولا إعلانا أجوفًا.
إن إقامة مثل ذلك الكيان، هو التحدى الأكبر للمسلمين في كلّ انحاء الدنيا. وهو ما لم تنجح فيه جماعة بعد سقوط الخلافة إلى اليوم، إلا طالبان، حيث كان كيانها مستوف لشروط"الدولة"، من استقلال ذاتيّ وتمكين على الأرض.
ويجب أن ننبه هنا إلى أنّ اعتبار كافة المتغيرات في الواقع العالميّ، ودراستها وتكييفها ومعرفة أثرها، لا يعنى الخضوع لها أو حتى الاعتراف بها. بل يعنى تحقيق مناط الواقع بشكلٍ أكثر دقة وتمييزًا، ليكون الهدم على قدر ما يجب، والبناء على قدر ما يمكن. فإن من هدم في الكيانات القائمة أكثر مما يلزم، مثلما يفعل التنظيم العواديّ بهدم الكيان الإسلامي القائم كله عن ظريق اعتبار كلّ من عداهم كفار مرتدون، ثم محاولة البناء على من هم في صفه، هو خبلٌ واستهتار وعدم إدراك لواقع الحال. كما أنّ ما تحاوله الإخوان من بناءٍ على تصدعات هارية متآكلة لا ينتج عنه إلا بناء آيل للسقوط ابتداءً كما في دولة محمد مرسي.
فالهدم إذن يكون بقدر، والبناء إذن يكون بقدر. وهذا التناسب والتقدير هو من سمات أهل السنة، الذين يسيرون على هدي القرآن في سنن الله تعالى، فاعتبارها مبنيّ في فطرهم قبل عقولهم وفهومهم، قال تعالى"وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرً?ا"الفرقان 2، وقال تعالى"رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"طه 50. فالهداية وحسن التقدير هما فطرة الله بهد الخلق، يؤتيهما من يشاء ويضل عنهما من يشاء.
د طارق عبد الحليم
27 شوال 1435 - 23 أغسطس 2014