فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 721

فالراية لابد أن تكون نقية على السنة بلا تسيب ولا انحراف. والراية هنا هي التوجه العام والمنهج بكافة معانيه المحتملة، سواء في التوحيد أو طرق النظر والاستدلال المميزة بين السنة والبدعة، كما تعنى القيادة، والقادة المسؤولين الموجهين للحركة ككل. هذا لا يصح عمل يقف به مسلم سنيّ أمام الله سبحانه إلا به.

لكن الناس، المندمجين تحت الراية، يمكن أن تكون راياتهم الفردية فيها اعوجاج وفساد وانحراف. كما يمكن أن تكون سليمة مستقيمة على المحجة. وهذا كله مقبول تحت راية الحق العامة النقية. فإن زادت نسبة الخبث والاعوجاج، خرجت الراية العامة عن نقائها، وذلك حسب ما في أصول الفقه من فوائد. ألا ترى أن خلل التحسيني بإطلاق يقدح في صحة الحاجيّ، وخلل الحاجيّ بإطلاق يقدح في صحة الضروريّ، فإن سقط الحاجيّ بالتمام، أي مثالا إن ترك أحدٌ كل الأوامر الشرعية الندبية، حتى أصبحت الصلاة رموزا وحركات، وفعل كافة المكروهات في الشريعة، لكان في ذلك انعكاس على صحة عقيدته وشك في دينه.

وهنا حدث التداخل والخلط بين"المناهجة"و"اللامناهجة". فحين تحدث"اللامناهجة"عن عدم صفاء الراية، تحدثوا عن إمكان أن ينضم تحت راية الحق النقية رايات فردية، سواء على مستوى الفرد أو الإمارات المنفردة المتناثرة في داخل الحركة. لكنهم، والله تعالى أعلم، لم يقصدوا أن يكون هناك تحت الراية، التي قلنا إنها التوجه العام، عميل مفضوح، أو مرتد متفق على ردته، أو منحرف الفكر انحرافا جالبا لضرر عام. فإن قصدوا ذلك، أو تغافلوا عنه، أو غفلوا عنه، فهم في بلاء كبير.

ولنضرب مثالًا يكملُ به البيان، قضية تلقى الدعم، اعتبرها"اللامناهجة"أنها مما تزمّت فيه"المناهجة"، وأنهم يرون إنها تفسد المنهج، وتنجس نقاء الراية. وهي بالفعل قضية تتعلق بالتوجه العام لجماعة ما. كما إنها ترسم، في تطبيقاتها، سياسة محددة فيها من أشكال التقارب والتعاون مع العدو، الزاهر والمستبطن، ما يحتاج إلى الكثير من التحليل والحذر في التطبيق.

ثم قضايا القومية السورية وهوية الثورة، وقضية"الشريعة"، هل نعلن إننا سنرفعها أم نكتفى بألفاظ متميعة مثل الهوية والانتماء وما إلى ذلك، مما هو في القلب من المذهب الإخواني في النظر.

هذه القضايا هي قضايا محورية تتعلق بالراية العامة والتوجه الأصلي لجماعة ما. وحسمها يوضح ما عليه هذه الجماعة ومذهبها العقدي والعمليّ، بل ويكشف مآلها، كما رأينا من مآلات غيرها عبر التاريخ.

أما انحراف بعض الأمراء، أو تفشى ظلم معين، أو سرقات هنا وهناك، فهذه رايات فردية، يحويها كل تجمع، ثم يطهر نفسه من خبائثه، إن ظلت الراية العامة صالحة قوية، لم تحمل خبثًا.

ومن ثمّ فإن الخروج على جماعة ما، والانشقاق عنها بدعوى إنها تحمل خبثًا من أي نوع، وبالتالي فإن راياتها الفردية غير نقية، لا يجوز ولا يصح، قياسًا على السنة في القتال خلف كل إمام بر وفاجر، ومندرج تحت القاعدة العامة"لا يُدفع الضرر بضرر أكبر منه". وشق الصف أكبر درجة من تحمل"التهميش"أو"الاستبداد بالرأي"أو وجود فساد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت